الوادي

الحياة خبر كويس وآخر سيء
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
سبتمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 
اليوميةاليومية
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث

شاطر | 
 

  في النمسا وسويسرا وألمانيا.. التفكير النقدي هدف محوري لأنظمة التعليم بقلم : أسامة أمين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد خطاب
Admin


عدد المساهمات : 148
نقاط : 441
تاريخ التسجيل : 21/07/2009

مُساهمةموضوع: في النمسا وسويسرا وألمانيا.. التفكير النقدي هدف محوري لأنظمة التعليم بقلم : أسامة أمين   الثلاثاء أبريل 24, 2012 2:03 pm

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


(التفكير النقدي) لا يعني الاعتراض على ما يقوله المعلم، ولا التشكيك في كل ما يسمعه الطالب، كما أنه ليس بداية الطريق للنيل من مكانة المعلم، بعد أن ينزل من عليائه، ويفقد عرشه، الذي يجعل كلامه غير قابل للنقض. (التفكير النقدي) هو السبيل لتحويل الطالب من كائن سلبي، يخزن المعلومات في ذاكرته، ليعيد تفريغها في ورقة الاختبار، إلى إنسان قادر على التفكير، والتحليل، واستخلاص النتائج، والتوصل إلى رأي مستقل، والمشاركة الفعالة في الدرس، بحيث يتحول التعليم إلى نشاط ديناميكي جماعي، كله إبداع وابتكار. لعل ذلك ما جعل أوروبا تدرك أنها بدون (التفكير النقدي) ستفقد أغلى ثرواتها، المتمثلة في الاختراعات التي تتحول إلى صادرات، توفر لها أكبر مصادر الدخل القومي.
التجربة النمساوية
نظرًا لاستحالة تناول الأوضاع في 27 دولة أوروبية في الاتحاد الأوروبي، نستعرض هنا جوانب منها في ثلاث دول، أولها النمسا، التي تنص أنظمة التعليم فيها على أن تعليم التلاميذ التفكير النقدي هو أحد الأهداف المركزية للعملية التعليمية، الأمر الذي يتضمن اكتسابهم القدرة على التفرقة بين الحقائق العلمية وبين الآراء النابعة من القيم، وعلى الحكم على مدى صحة مقولة ما ودقتها، وعلى التمييز بين المعلومات الهامة والأخرى غير الهامة، وعلى اكتشاف ما يتضمنه القول من افتراضات مستترة، والتوصل إلى الأخطاء الواردة في الحجج المعروضة عليهم.
أجرى خبراء التعليم تجربة، شارك فيها 296 طالبًا، (194 طالبة، و102 طالب)، في السادسة عشرة من عمرهم، و87 عضو هيئة تدريس، (42 معلمة، و45 معلمًا)، في العقد الرابع من عمرهم، من مختلف أنواع المدارس، الثانوية العامة، والفنية، وحتى مدارس طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة، وكان الهدف من التجربة اختبار قدراتهم على التفكير النقدي، من خلال الإجابة على سبعة أسئلة، تختبر قدرات متعددة عند الشخص، مثل اكتشاف قدرته على التوصل إلى صحة تعريف أو عدمه، أو اكتشاف الحلقة الناقصة في سلسلة الحجج المنطقية، أو القياس على حالة فردية من أجل التوصل إلى قاعدة تسري على الحالة العامة، أو الحكم على البراهين، أو التقييم الشخصي، أو التقييم الجماعي، كما تضمنت التمارين قيام المشاركين من الطلاب والمعلمين، بذكر الاستراتيجيات التي اتبعوها في الحل، والصعوبات التي واجهتهم في الإجابة على الأسئلة. ولعله من المفيد استعراض هذه التمارين، لإدراك المقصود منها.
كان السؤال الأول كالتالي: «يسمى التعريف دائريًا، إذا كان شرح معنى المصطلح مشتقًا من نفس المصطلح المطلوب تعريفه، فهل القول بأن (الدارس الجامعي، هو الشخص الذي يدرس في الجامعة) يعتبر تعريفًا دائريا؟» والإجابة: نعم، هذا التعريف دائري، لأنه لم يأت بجديد، ولم يتضمن تفسيرًا للمصطلح، أو كما يقال «فسر الماء بعد الجهد بالماء».
والسؤال الثاني: ابحث عن الحلقة الناقصة في سلسلة الحجج: إذا قلنا إن أحمد أقصر من علي، وإن مصطفى أقصر من أحمد، ولكن أسامة أقصر من مصطفى، لذلك فإن مصطفى أقصر من وائل، فأي حلقة ناقصة في هذه السلسلة لتكون منطقية: أحمد أطول من وائل، أو علي أطول من وائل، أو وائل أطول من أحمد، أو وائل أطول من أسامة؟ والإجابة الصحيحة، هي: أحمد أطول من وائل، لأن ذلك هو الاحتمال الوحيد الذي يؤدي إلى أن يكون منطقيًا للقول بأن مصطفى أقصر من وائل. أي يكون الترتيب من الأطول للأقصر كالتالي: علي، أحمد، وائل، مصطفى، أسامة.
والسؤال الثالث: «ارتفعت أسعار بنزين الطائرات بصورة ضخمة بسبب كارثة ناقلة النفط إكسون التي وقعت في ألاسكا عام 1989م، وبسبب حرب الخليج في الشرق الأوسط عام 1991م، وفي نفس الفترة الزمنية ارتفعت أسعار كثير من مشتقات النفط، وهاتان الحقيقتان تثبتان أن بنزين الطائرات، هو أحد مشتقات النفط. فما رأيك في هذا الاستنتاج؟ والإجابة: هذا استنتاج أعوج، لأن ارتفاع الأسعار بصورة متزامنة في الحالتين، لا علاقة له بإثبات وجود قواسم مشتركة من الناحية الكيميائية.
السؤال الرابع: عندما يكون كل لاعب في فريق كرة القدم جيدًا، فإن ذلك يقود إلى الاستنتاج بأن فريق كرة القدم جيد أيضًا، فهل هذا الاستنتاج صحيح؟ والإجابة: هذا الاستنتاج خاطئ، لأنه ليس بالضرورة أن يكون الفريق جيدًا، إذا كان كل فرد فيه جيدًا، بسبب عدم قدرة اللاعبين الجيدين على التوفيق بين مهاراتهم، للوصول إلى أداء جماعي جيد.
السؤال الخامس: لم يستطع أحد حتى الآن إثبات عدم هبوط كائنات من الكواكب الأخرى على الأرض، ولذلك فإنه من المؤكد أن تكون هذه الكائنات قد استطاعت فعلاً الهبوط على الأرض. فما رأيك في هذا الاستنتاج؟ هذا استنتاج خاطئ، لأن عدم إثبات واقعة معينة، لا يعني أن العكس صحيح.
السؤال السادس: إنني لا أستخدم المواصلات العامة، لأن عندي سيارة خاصة، وأستند في ذلك إلى أنني مواطن حر، ولي حق الحصول على راحتي، والتي لا تتحقق في المواصلات العامة بنفس الدرجة، فهل هذا الرأي صحيح، بالنظر إلى المصلحة العامة وخير البشرية؟ الإجابة: لا، لأن استخدام كل فرد لسيارته الخاصة، بدلًا من استخدام المواصلات العامة، يؤدي إلى زيادة السيارات المستخدمة، التي تخرج منها كمية أكبر من العوادم، التي تضر بالبيئة، وبالتالي تؤثر سلبًا على الصالح العام للبشرية.
السؤال السابع: يستخدم الإنسان الحيوانات كغذاء وفي التجارب البحثية، ورغم أن الحيوانات تشعر بالألم، إلا أن القوانين تسمح بذلك، وتنظم كيفية التعامل مع الحيوانات، وطالما أن الأمر مسموح به قانونيًا، فإنه لا يوجد ما يمنع الاستفادة من هذه الاستخدامات. فهل ترى أن هذا الرأي مقبول، إذا نظرنا للأمر من زاوية مصلحة الكائنات الحية عمومًا. الإجابة: هذا الرأي غير صحيح، لأن الحيوانات أيضًا كائنات حية، وليس من مصلحتها أن تتعرض للألم أو القتل.
وتبين من النتائج أن الطلاب والمعلمين واجهوا صعوبة كبيرة في حل السؤال الثاني، المتضمن البحث عن الحلقة الناقصة في سلسلة الحجج، إذ بلغت نسبة الإجابات الصحيحة عند الطلاب 25 في المئة، وعند المعلمين 19,5 في المئة، وكذلك في السؤال الثالث، المتعلق بالمقارنة بين ظاهرتين متشابهتين، واستخلاص نتيجة لا علاقة لها بالظاهرتين، وبلغت نسبة الإجابات الصحيحة عند الطلاب 19,3 في المئة، وعند المعلمين 36,8 في المئة.
ولعل كل من درس في مدارس التعليم العام في الدول العربية، قد اعتاد أن يقدم له المعلم تمارين، يتدرب عليها مع بقية الطلاب، بحيث لا يفكر بنفسه، تتغير الأرقام أو الأسماء، وتبقى فكرة السؤال متكررة، وإذا جاء المعلم بأسئلة لم يتدرب عليها الطالب، يشتكي الطلاب وأولياء أمورهم، أي نحتاج دومًا إلى قاعدة أو قانون أو نموذج نسير عليه ونتبعه، على عكس هذا النمط من الأسئلة التي تحتاج لأن يفكر الطالب بنفسه.
المطلوب من الطالب أن يتعلم كيفية التعرف على الأجزاء المكونة للرأي أو الحُجَّة، وهذه المكونات تكون عبارة عن موضوعات مطروحة، واستنتاجات جرى التوصل إليها، ومبررات لهذه الاستنتاجات، وطريقة عرض وتنظيم للفكرة المطروحة، ويتعلق التفكير النقدي أيضًا بتحليل الحجج، أي اكتشاف الفروض المتضمنة، والتوصل إلى جوانب القصور أو النقص فيها، التي يجب استكمالها بمعلومات إضافية، وفي كافة مراحل التفكير النقدي، يجب مراعاة العوامل الخارجية، المتعلقة بتأثير الآراء النابعة من القيم، أو التأثر بالأشخاص أو المؤسسات ذات الحضور الطاغي على الوعي، والانتباه إلى التأثر الناجم عن بلاغة المتحدث، واستخدامه لمصطلحات فيها الكثير من المشاعر والانفعالات، بدلًا من الحجج المنطقية، وتشكل القيم أحكامًا مسبقة وثابتة عن الأشخاص والأشياء المحيطة بنا، على عكس التفكير النقدي الذي يقوم على التحليل العلمي للاستنتاجات، وعلى البحث عن العلاقة بين ما يقدمه المتحدث من حجج، وما يتوصل إليه من نتائج، كما يقوم على النتائج الإحصائية، وما إذا كانت تصلح للقياس عليها باعتبارها ممثلة لقطاع عريض من الناس، أم أن الإحصائيات قد جرت على مجموعة محدودة متشابهة، لا تمثل إلا شريحة واحدة وصغيرة في المجتمع، وبذلك فإن التفكير النقدي، يعتمد على الاستنتاجات المنطقية العقلانية، التي تستند إلى القياس والمقارنة، من الحالة الفردية إلى الحالة العامة، ومن التعميم إلى التخصيص، بحيث يكون الطالب والمعلم قادرين على اكتشاف الاستنتاجات الخاطئة، مثل التعريف الدائري، والافتراضات الخاطئة، التي يبني عليها الآخر حجته، وعلى اللغة المضللة، غير العلمية، والحجج غير المقنعة للعقل.
تجربة مدرسية سويسرية
في كل دول العالم هناك مسلمات لا يقترب منها الأشخاص بالتفكير، ويعتبر مجرد طرحها للمناقشة أمرًا غير مقبول، فإذا كانت ألمانيا تعتبر مثلًا أن أي نقاش عن المحارق الجماعية اليهودية (الهولوكوست)، أمرًا غير مقبول، إلا إذا كانت النتيجة محددة سلفًا، أي يبدأ الشخص البحث، بشرط أن يصل إلى أن هذه المحارق وقعت بالفعل، وأن ستة ملايين شخص، غالبيتهم من اليهود قد ماتوا في أفران النظام النازي، وكذلك ترفض تركيا النقاش عن (مذابح الأرمن) في عام 1915م على يد الدولة العثمانية، بعد اتهام الأرمن بالتحالف مع الروس، للحصول على استقلال دولتهم.
ولعل هذا ما دفع معلمًا في مدرسة ثانوية في مدينة جلاتال السويسرية، رأى أن الطلاب يرفضون اتباع مبادئ التفكير النقدي في مناقشة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويعتبرونه إنجازًا حضاريًا لا يجوز التشكيك في أي جزئية منه، إلى السعي لإقناع طلاب الثانوية العامة للقيام بعمل مشروع حول هذا الإعلان.
تضمن المشروع الكثير من الأنشطة، مثل زيارة مقر الأمم المتحدة في جنيف، والاستماع إلى الخبراء الدوليين حول حقوق الإنسان، ثم الانتقال إلى مؤسسات الحكم المحلي، والتعرف على آراء السياسيين السويسريين، ثم تفقد معسكرات إيواء اللاجئين الجدد، ثم حضور جلسة في المحكمة، تتعلق باتهامات الاتجار في البشر، والاجتماع مع ممثل الادعاء، الذي أوضح للطلاب صعوبة إثبات هذه التهمة، ووجود ثغرات قانونية، يعرفها محامو الدفاع، ويتمكنون من الحصول على براءة موكليهم، رغم كل الأدلة التي تتوصل إليها النيابة في التحقيقات، وأعرب عن أسفه من وجود فرق في بعض الأحيان بين مبدأ العدل وبين العدالة القانونية، وحرص الطلاب على توثيق كل ما رأوه أو سمعوه أو اكتسبوه من انطباعات.
كتب الطلاب أبحاثًا عن حقوق الإنسان، رحبوا جميعًا بمبدأ المساواة بين البشر، وبأن لكل إنسان نفس القدر من الحقوق، بغض النظر عن جنسه أو دينه أو أصله، لكن بعض الطلاب أعرب عن رفضه لما ينص عليه الإعلان من حق كل إنسان أن يعيش في المكان الذي يرغب فيه، لأن ذلك يعني برأيهم إمكانية قدوم ملايين البشر من إفريقيا، للعيش في سويسرا، وما يتسبب فيه ذلك من مشكلات اقتصادية واجتماعية لا تقدر دولتهم الصغيرة الغنية على مواجهتها، دون أن تتحول إلى دولة مختلفة تمامًا.
كتب آخرون بحثًا عن نشطاء حقوق الإنسان، وعما إذا كانوا أبطالا يعملون من أجل البشرية، وعندهم من المثالية والاستعداد للتضحية ما يفرض على الآخرين احترامهم، أم أنهم أشخاص متهورون يعيشون في عالم من الخيال لا يربطه بواقع الناس شيء من المنطق، وقام الطلاب بدراسة نماذج من هؤلاء النشطاء، وتحليل دوافعهم والطرق التي يلجؤون إليها من أجل نشر الوعي بحقوق الإنسان، والعمل على تطبيقها.
واكتشف بعضهم أن انتهاكات حقوق الإنسان لا تقع في إفريقيا، وفي دول بعيدة عنهم فقط، بل إن سويسرا نفسها لم تسلم من الانتقادات الدولية في هذا المجال، وتبين لهم أنه من شبه المستحيل الالتزام بكل ما ورد في الإعلان الدولي لحقوق الإنسان، وأنه ليس قانونًا ملزمًا للدول، بل هو بمنزلة ضمير للبشرية، ومثل أعلى على الدول والمؤسسات والأفراد أن يطمحوا للوصول إليه، وعلم الطلاب أن بعض المفكرين يعتبر أن هذا الإعلان لم يعد مناسبًا لروح العصر في القرن الحادي والعشرين، وأنه ينبغي إجراء تعديلات عليه، تراعي الثقافات والحضارات الأخرى، وأنه ليس بديهيًا وليس من المسلمات التي يجب الإيمان بها كما هي، دون طرحها للنقاش، ودون وضعها تحت مجهر التفكير النقدي، الذي جعلهم يصلون إلى هذه النتيجة بناء على علم وتفكير، بدلًا من الاستعانة بمن هو أكبر منهم ليفكر لهم، ويعطيهم النتيجة جاهزة، ويجعلهم مواطنين سلبيين، غير قادرين على التفكير.
ألمانيا: لا تعليم عاليًا بدون فكر نقدي
لعل البعض قد سمع عن (عملية بولونيا) التي قامت بهدف التقريب بين أنظمة التعليم العالي في جميع دول الاتحاد الأوروبي حتى عام 2010م، والتي كان من بين نتائجها مثلًا أن تخلت ألمانيا عن الكثير من تقاليدها الجامعية، فلم تعد الدراسة الجامعية ترفًا فكريًا وأكاديميًا، يستطيع الطالب أن يدرس لسنوات طويلة، دون أي قيود، ودون رسوم دراسية، حيث كان الخريج الألماني أكبر سنًا من أقرانه في أوروبا. أما الآن فقد انتهى عصر العلم من أجل العلم في حد ذاته، وجاءت أهداف جديدة مثل الفاعلية، ومراعاة احتياجات سوق العمل، وسهولة الانتقال بين الجامعات، والتركيز على المخرجات والكفاءات المطلوبة، وتحول التفكير النقدي من عنصر أساسي ولازم في الدراسة الجامعية، إلى عنصر اختياري تكميلي، إذا توفر الوقت لإدراجه ضمن الخطة الدراسية.
إلا أن ثلاثة أحداث جعلت ألمانيا تعود إلى رشدها، وتدرك أهمية التفكير النقدي، وهذه الأحداث هي: الأزمة المالية العالمية، وإضراب الطلاب احتجاجًا على عواقب عملية بولونيا، وإقرار إطار العمل الأوروبي الخاص بالمؤهلات من أجل التعليم المستمر مدى الحياة (EQF).
لقد فتحت الأزمة المالية العالمية عيون الكثيرين على أهمية الدور المتوقع من الجامعة، في تخريج أشخاص قادرين على التفكير النقدي، والتوقف في وسط الطريق، وإعادة النظر من وقت لآخر، لأن الشخص الأكاديمي هو «الأكسير الناقد للمجتمع»، لأن المجتمع الحديث لا يستطيع أن يعيش بدون مصرفيين ناقدين، ولا مهندسين ناقدين، ولا قضاة ناقدين، ولا أساتذة جامعة ناقدين، ولا سياسيين ناقدين، يصححون المسار، وينبهون إلى الأخطار، ويقترحون بدائل أخرى، ويقدرون على الابتكار والتجديد، ولا يتبعون مبدأ (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون).
أما الاحتجاجات الطلابية فكانت تعبيرًا عن استياء الدارسين الجامعيين من تحول نمط التعليم في المؤسسات الجامعية، إلى نظام شبيه بطرق التدريس التقليدية في المدارس، من أجل الانتهاء من أكبر كم من المادة العلمية في أقصر فترة ممكنة، على حساب نضج الفكر والعقل، وهو الأمر الذي اعترفت به وزيرة التعليم والبحث العلمي الألمانية، أنيتا شافان، التي قالت إنه من الضروري إجراء تعديلات على عملية بولونيا، كما أقرت رئيسة مجلس وزراء تعليم الولايات الاتحادية، مارجريت فينترمانتيل، بأن عملية بولونيا قد تسببت في حدوث أخطاء.
في عام 2008م أقر كل من المجلس الأوروبي، الذي يضم زعماء دول الاتحاد الأوروبي من جانب، والبرلمان الأوروبي من جانب آخر (إطار العمل الأوروبي الخاص بالمؤهلات من أجل التعليم المستمر مدى الحياة) المعروف باسم (EQF)، الذي نص على اعتبار التفكير النقدي هدفًا مركزيًا في كافة التخصصات الدراسية في التعليم العالي.
ونصت المعايير الواردة في هذا الإطار على ضرورة أن يتمكن الطالب الحاصل على البكالوريوس من الإسهام في «حل المشاكل المعقدة وغير المنتظرة، وأن تكون لديه القدرة على تولي المسؤولية عن اتخاذ القرارات في مناخ تعليمي ومهني غير تقليدي»، أما الخريج الحاصل على الماجستير، فإن المعايير المشار إليها في هذا الإطار تطالبه بأن تكون لديه «الإمكانيات اللازمة لحل المشاكل المتخصصة والوعي الناقد للقضايا العلمية، كأساس لمبادئ التفكير الإبداعي والابتكار في مجالات البحوث العلمية».
وينتقد الخبراء الألمان وضع القيود الصارمة على الدراسة الأكاديمية، وتحديد أدق تفاصيلها، مما يعوق حرية الاختيار لدى الطالب، ويجعل من المعارف العلمية، قوالب صماء بلا حياة، وتتحول إلى مسلمات ونصوص غير قابلة للتغيير، وتصبح علاقة الطالب بها، خالية من الإبداع، ولا تتيح أي مجال للنقد أو التفكير في هذه المعارف، لأن العقلية النقدية لا تقتصر على أن تكون عقلية علمية، بل تسعى لإيجاد علاقة شخصية بين الطالب المفكر وبين هذه المعارف، بحيث يتأمل الانعكاسات الفكرية داخل عقله، وينعكس ذلك بدوره على ما يدرسه في الجامعة، ولا يقتصر اهتمامه فحسب على هذه المادة العلمية، بل يسعى لربطها بمعارف أخرى، ويتمكن من التوصل إلى أفكار جديدة، واستنتاجات مبتكرة.
ويرى الخبراء أن التفكير النقدي، لا يقوم على دراسة المادة العلمية الموجودة، بل يعتمد على البحث عن المعلومات غير الموجودة، ويكتشف الأسئلة التي لم ترد لها حلول مقنعة ومنطقية في المادة الدراسية، وهي قدرات أشمل بكثير من الأسلوب الذي يلجأ إليه البعض مثل: «انظر إلى الأمور من أكثر من زاوية، واختبر الحجج قبل أن تصدر حكمك، وأعد التفكير في المسلمات التي تستند إليها»، لأن هذه الطريقة ليست كافية لضمان تحقيق أسس التفكير النقدي، وهي الفعالية، والابتكار، وإيجاد علاقة مباشرة مع الذات، وأهم ما ينبغي لصاحب التفكير النقدي القيام به، هو أن يقيم علاقة نقاش بين نفسه وبين الشيء الذي يفكر فيه بصورة نقدية، بشرط ألا يكون هذا الانشغال سطحيًا، بل لابد أن يصل إلى أعماق المشكلة.
ماذا يصنع الفكر النقدي بالإنسان؟
في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، توجد دورات لتعلم التفكير النقدي، في إطار حلقات للقراءة الجماعية، مع مناقشة الأفكار الواردة في النصوص، ويمارس كل طالب هذه العملية العقلية، التي تتطلب الانتباه الشديد، والتركيز مع الفكرة، والقدرة على تحليلها، واستخلاص ما فيها من نتائج، ومقارنتها بالأفكار التي يتبناها الشخص، وعدم الانطلاق من أحكام مسبقة، لا دليل على صحتها، وغير ذلك كثير من القدرات، التي ترهق الذهن، لكنها تتحول بمرور الوقت إلى عملية تلقائية عند الشخص، تنتقل به من كائن سطحي في تناوله للأفكار، والتصديق بكل ما يسمع، إلى إنسان آخر يستفيد من عقله الذي منحه الله إياه، لكي يرى الكون بصورة أعمق، ويقدر على استخلاص النتائج المنطقية، التي تعود بالفائدة على الكثيرين ممن قرروا أن يريحوا عقولهم، بعد أن تحولت إلى قرص مدمج، لتخزين المعلومات إلى وقت الحاجة.
يحارب الأوروبيون، من أجل استعادة التفكير النقدي، الذي كادوا يفقدونه في معركتهم من أجل توحيد الأنظمة التعليمية الأوروبية، والتي تناسوا معها أن الإبداع يحتاج إلى الفرد الذي يطلق العنان لتفكيره، بدلاً من وضع التفكير في قوالب.
يقول عالم الطبيعة العبقري ألبرت أينشتاين: «إنه لعار على الشخص أن يستخدم المعجزات التقنية والعلمية دون تفكير، ودون أن يعرف عنها من الناحية الفكرية، أكثر مما تعرفه البقرة عن علم النباتات، التي تستمتع بأكلها». عافانا الله وإياكم أن نصبح كذلك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khatab38.forumslog.com
 
في النمسا وسويسرا وألمانيا.. التفكير النقدي هدف محوري لأنظمة التعليم بقلم : أسامة أمين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الوادي  :: ابحاثومقالات علمية وتربوية-
انتقل الى: