الوادي

الحياة خبر كويس وآخر سيء
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
نوفمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930   
اليوميةاليومية
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث

شاطر | 
 

 بين الانبهار والاحتقار : مدارس فالدورف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد خطاب
Admin


عدد المساهمات : 148
نقاط : 441
تاريخ التسجيل : 21/07/2009

مُساهمةموضوع: بين الانبهار والاحتقار : مدارس فالدورف    الثلاثاء أبريل 24, 2012 3:27 pm

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


يرى البعض مدارس فالدورف، التي يفوق عددها الألف مدرسة في جميع أنحاء العالم، والتي يدرس فيها مئات الآلاف من التلاميذ والطلاب «مصنعا لخِيرة البشر»، ويرى البعض الآخر فيها «وكرا للشرور ولدمار الأجيال». وما دامت قد شقت طريقها إلى العالم العربي، حيث أقيمت مدرسة في مصر، وفي مدينة شفاعمرو في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن الأمر يستحق الدراسة والاهتمام، دون أحكام مسبقة، ومع إدراك أنها ليست بالضرورة خيرًا مطلقًا، ولا شرًا مطلقًا، ويمكن الاستفادة من مميزاتها وتجنب سلبياتها.
إذا كانت هناك مدارس حكومية جيدة، وبدون أي رسوم، تقع بالقرب من المسكن، وتضمن بقاء الطفل أو الشاب مع رفاقه من الجيران، فلابد أن تكون هناك مبررات قوية تدفع الأهل أن يتنافسوا على الحصول على مكان في مدرسة بعيدة، نتائجها الدراسية متوسطة (أقل من النصف يلتحقون بالجامعة، والبقية في معاهد فنية، أو يتوقفون عن الدراسة بعد الثانوية المهنية)، وتطالب الأهل بالكثير من الوقت والجهد للمشاركة في أنشطة المدرسة ومنها أعمال النظافة، إضافة إلى الرسوم الدراسية غير القليلة (حوالي 2300 دولار عن الطفل سنويًا)، وارتفاع عدد التلاميذ في الصف، وتمنع مشاهدة التلفزيون حتى سن المراهقة، ولا توجد فيها كتب مدرسية، ومعلموها ليسوا بالضرورة مؤهلين للتدريس، ومع ذلك يقومون بتدريس كافة المواد الأساسية، ولا تعترف بعض الدول بشهاداتها، ويضطر الطلاب بعد الانتهاء منها، إلى إجراء الاختبار الرسمي للثانوية العامة.
تحظى مدارس فالدورف بالإقبال الشديد في ألمانيا، التي نشأت فيها على يد الفيلسوف النمساوي رودلف شتاينر، والتي تحتضن 222 مدرسة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية التي توجد فيها 130 مدرسة، وفي هولندا التي لا يزيد عدد سكانها عن خمس سكان ألمانيا، لكنها تضم 92 مدرسة، كما توجد حوالي 1500 روضة أطفال تتبنى نفس النهج التربوي. ويدعم اتحاد مدارس فالدورف في ألمانيا انتشارها حول العالم، ويقدم الدعم المادي والأكاديمي لهذه المدارس في الخارج، فيوفر لها المشورة العلمية، ويتبادل معها الخبرات، ويخصص 20 ٪ من مقاعد الدراسة في معاهده العليا للمعلمين القادمين من الخارج، ويقوم بالتعاون مع وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية بتنفيذ مشروعات في الدول النامية، وتعتبرها ألمانيا من أهم صادراتها للعالم في حقل التعليم.
تلاميذ هذه المدارس لا يعرفون ضغوط المذاكرة، فليس هناك منهاج لابد من الانتهاء منه في خلال فترة محددة، ولا يوجد رسوب على الإطلاق، والجميع يعيش في عالم من السعادة التي لا تنتهي، في الصباح تقف معلمة على باب المدرسة ترحب بالقادمين من تلاميذ ومعلمين وأولياء أمور وعمال، وتصافح كل واحد منهم باليد، مع أن المصافحة أمر غير معتاد في الغرب على الإطلاق. حتى إذا ما دخل الجميع صفوفهم انتقلت إلى صفها، وبدأت بالترحيب بتلاميذ صفها من جديد، والتحدث مع كل واحد منهم حديثًا خاصًا به، ثم إذا ما انتهت، يبدأ التلاميذ يومهم، بأن يقول كل واحد منهم: «أنا كائن متميز»، ثم يصيح الجميع: «نحن ننتمي بعضنا إلى بعض».
في كل صباح تكون ستائر الصف مغلقة، أثناء هذا التمهيد اليومي، وتكون هناك شمعة تبعث ضوءًا خافتًا في الصف، وينشد التلاميذ الأغاني ويلقون القصائد، ويعزفون الموسيقى، ويسيرون وراء معلمتهم بين المقاعد والطاولات داخل الصف، ثم تلهج ألسنتهم بالدعاء، كما كان مؤسس هذه المدارس، رودلف شتاينر يفعل. ثم تنفتح الستائر، التي هي من صنع التلاميذ، وتبدأ الدراسة الفعلية.
الحصص الدراسية
لا تتبع مدارس فالدورف نظام الحصص، من الأولى حتى السادسة أو السابعة أو الثامنة، كما هو معتاد في غيرها من المدارس، بل يتم تدريس موضوع ما، لمدة ساعتين يوميًا، لفترة تستمر أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، حتى ينتهي هذا الموضوع تمامًا، ويتيح طول الفترة المتاحة للتدريس، أن يتناول المعلم مع تلاميذه كل ما يتعلق بذلك الموضوع، أو على الأصح يتعلم الجميع سويًا بعض الشيء عن هذا الموضوع، فغالبًا لا يكون المعلم على معرفة بالموضوع أكثر من تلاميذه، وليس هناك كتاب مدرسي، يقرؤون منه، أو يدرسون ما ورد فيه من معلومات، بل يعتمد الجميع على دفاتر، تتحول إلى مصدر معلومات للتلميذ، من صنعه هو، وتبعًا لما فهمه هو، وكيف يرى الأمر، فالدراسة في مدارس فالدورف، تعتمد على مبدأ «القراءة في أعماق الطفل، تحل محل القراءة من المنهاج»، وتهتم جدًا بربط المعلومات بالحياة الشخصية لكل تلميذ، هو يرسم المعلومات وينشدها وينظمها شعرًا، ويعرضها في صورة راقصة، هو يصنع من الطين أو ينحت من الخشب شكلاً توضيحيًا،
التلاميذ الصغار يتعلمون الأرقام، من خلال الثمار التي تلمسها أصابعهم، وتشمها أنوفهم، وترى ألوانها عيونهم، والحروف يدرسونها من خلال تجسيد شكل الحرف بأجسامهم، بتحريك الأذرع والسيقان والرأس وبقية الجسم في الهواء، لرسم صورة الحرف.
الرسم يكون بألوان الشمع الطبيعي، والحفاظ على البيئة من أهم أهداف المدرسة، لأن التعلم يعتمد على نظرية وحدة الكون، لذلك فإن المدارس تقع في الطبيعة، حولها دوما خضرة وأشجار، والمباني المدرسية تحرص على الانسيابية في الشكل، بدون زوايا حادة تصدم العين، وبدون ألوان فاقعة، كل البيئة المحيطة، لابد أن تكون جميلة ورقيقة ومرتبة.
من يرسل أطفاله إلى هذه المدرسة، يدرك أن مربي الصف يبقى مع التلاميذ من الصف الأول وحتى الصف الثامن، ويقوم بتدريسهم المواد الأساسية، لذلك فهو يعرف كل تلميذ، ربما أفضل من معرفة والديه به، ويهتم بكل تلميذ اهتمامًا فرديًا فائقًا، ويكتب عنه تقارير تفصيلية دورية تحتوي على نمو معارفه وشخصيته، لأن المنهاج التربوي لمدارس فالدورف يرى أن الهدف من هذه الفترة، ليس تلقين التلاميذ المعرفة، ولا تجهيزهم ليخوضوا معركة الحياة، بل لرعاية كل واحد منهم، باعتبار أن «الإنسان هو محور الاهتمام».
أولياء الأمور غالبًا ما يكونون من الأكاديميين والفنانين، الذين يريدون نمطًا مختلفًا عن التدريس في المدارس العامة، التي يرى فيها المعلم أن مهمته تقتصر على تدريس المواد العلمية، يريدون مدارس لا تخضع كل عدة سنوات، لتطوير المناهج والتعديلات التي لا تنتهي برأيهم، يريدون استقرارًا في مدارس مرت عليها عقود كثيرة وهي متمسكة بتقاليدها.
طائفة دينية أم منهج تربوي؟
عندما يجد أولياء الأمور أبناءهم وبناتهم يحبون المدرسة، ويذهبون إليها كل يوم بشوق، ويشعرون بالراحة بين زملائهم وزميلاتهم، الذين يبقون معهم سنة وراء سنة، لا يبدلون المدرسة، ولا يعيد أحدهم الصف، ويكون نفس المعلم مرافقًا لهم لسنوات طويلة، ويتعلمون الحرف اليدوية من زراعة ونجارة وخياطة وغيرها، ويجيدون التمثيل على المسرح والغناء، ويدرسون المواد بأسلوب فيه الكثير من الفردية والإبداع والابتكار، فما الداعي لإثارة القلق في صدورهم؟
القضية التي تشغل بال الخبراء التربويين هي المنهاج الفكري الذي تتبعه هذه المدارس، فمن لا يعرف شيئا عن فلسفة مؤسس هذه المدارس رودلف شتاينر، لن يدرك مغزى ما يراه، فحينما ترسم المعلمة على اللوح نجمة لها 12 طرفا، عند كل طرف حرف من الأبجدية، يرى التلاميذ شكلا هندسيا فحسب، بألوان جميلة، وحروف منسقة، لكن من يعرف «الفلسفة الأنتروبوسوفية» أو ما يمكن أن نطلق عليه اسم (علم طبائع البشر)، التي اخترعها شتاينر، فإنه سيدرك أن هذه النجمة رمز لصفات الإنسان، ولفصول السنة، وللاتجاهات السماوية، ولأعضاء الجسم، لأن الكون في رأي شتاينر وحدة واحدة، فالحروف مرتبطة بالكواكب في السماء، والهدف من رسم هذا النجم على اللوح، هو انبعاث قوى كونية، ذات تأثير روحاني على الأطفال، وإذا سأل العارفون المعلمة عن هذه النجمة، تقول: «إنني أبعث الحياة في هذا العلم الروحاني، لينشر المعرفة في الصف، دون أن أتحدث عنه».
المناهج التي يدرسها المعلمون والمعلمات في معاهد إعداد معلمي مدارس فالدورف، تتضمن دراسة متعمقة لفلسفة شتاينر، وفي كل التخصصات سواء كانت مادة الدراسة هي الرياضيات أو الفيزياء أو التاريخ أو اللغات فإن الدارس يجد «الفلسفة الأنتروبوسوفية» تتغلغل في هذه المادة، فعند دراسة الفيزياء لا يقوم المحاضر ببحث الحقائق العلمية فحسب، بل يكون التركيز على تأمل الطبيعة والاندماج معها، ويتم في هذا التخصص بحث موضوعات مثل «مراتب الملائكة عند شتاينر»، وعند سؤال القائمين على هذه المعاهد عن ذلك، فإنهم يؤكدون أن هذه الفلسفة مطروحة للنقاش والنقد، وليست فكرًا مقدسًا، ويشيرون إلى أن رودلف شتاينر كان يحث على النظرة النقدية لكل شيء. لكن من يدقق النظر في الكتب التي يدرسها طلاب هذه المعاهد، يجد أنها لا تتضمن أي انتقادات لهذه الفلسفة، وأن المادة العلمية ضحلة للغاية، مقابل التركيز الشديد على نمط التربية النابعة من فلسفة شتاينر، وبدلاً من أن يتولى التدريس علماء يحملون درجات أكاديمية عالية، مثل كليات التربية في الجامعات، يتضح أن معلمين سابقين هم من يتولى إعداد المعلمين المستقبليين، من خلال نقل خبراتهم إليهم، بكثير من الاهتمام والمودة والروابط الإنسانية، وبكثير من الرسم والغناء، لكن بقليل من العلوم والمعارف.
تتضمن الدراسة أن البشر ينقسمون إلى أربعة أصناف، وأن لكل إنسان طبيعة معينة، ينبغي على المعلم أن يتعرف عليها، ويبحث عن التلاميذ الذين يشتركون في نفس الطبيعة ليجلس بعضهم بجانب بعض، ويقوم بالتدريس لهم تبعًا لطبيعتهم، ويقسم الآلات الموسيقية عليهم تبعا لهذه الطبيعة، فالإنسان الذي يميل للحزن مثلا يعزف على الكمان.
هناك أبحاث تشير إلى أن عدم تدخل السلطات التعليمية في كثير من الدول في أعمال مدارس فالدورف، جعل هذه المدارس قادرة على «الانعزال الفكري عن المجتمع»، ولأن كل مدرسة تتمتع بالاستقلالية، فإن كل واحدة منها لا تخضع إلا لمساءلة الهيئة التدريسية وأولياء الأمور فقط، ولا تتدخل رابطة مدارس فالدورف الحرة إلا في مرحلة التأسيس لتوضح المعايير اللازمة، ثم لا تقوم بأي إشراف أو رقابة بعد ذلك، ويلاحظ المراقب أن كل مدرسة تحرص على استمرارية الطابع الذي اكتسبته على مر السنين، فيكون لكل منها تقاليدها، دون أن يعني ذلك عدم وجود ابتكار مستمر، ففي كل عام يجري تدريس المادة بصورة جديدة مختلفة، تبعًا للتلاميذ الجدد بميولهم وانطباعاتهم وتجاربهم.
مشاهد من مدارس فالدورف
لعل أول ما يلفت النظر في هذه المدارس هو أنشطتها التي لا تتوقف، ففي كل شهر، يكون هناك احتفال، يشاهد فيه الأهل ما تعلمه أبناؤهم وبناتهم، إلا أن الرقصات التي تحمل اسم (يورثمي)، علامة مميزة لهذه المدارس، حيث يرتدي الطلاب جميعا، ذكورًا وأناثًا من الصف الخامس وحتى الصف الثاني عشر، ثيابًا فضفاضة مثل الثوب العربي، لكن بألوان زاهية كالأخضر أو الأحمر، ثم يرقصون على أنغام الموسيقى، ويقوم الطلاب مع معلميهم برحلات إلى الريف تستمر ثلاثة أسابيع، يمارسون فيها جميع الأنشطة الزراعية، وهناك فترة تدريب في الغابة، يتعلم فيها الطلاب كيفية قطع الأشجار، الأمر الذي يتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا، كما يكون هناك تبادل طلابي مع مدارس في روسيا مثلا، ورحلة على مركب شراعي في بحر الشمال.
لكن هل يصلح خريجو هذه المدارس للحياة العصرية، التي تهيمن عليها السرعة ومبدأ البقاء للأقوى في قيادة الشركات الكبرى، والحاجة إلى المعارف والمعلومات المتعمقة، أكثر من الموهبة في الرسم أو الغناء أو الرقص؟ أليس غريبًا أن يكون الرئيس السابق لاتحاد الصناعات الألمانية، ومدير شركة صناعة سيارات بورشه الفاخرة، من خريجي هذه المدارس؟ يقول هؤلاء وغيرهم، إن الفترة التي قضوها في هذه المدارس، أسهمت في حدوث توازن في شخصياتهم، وجعلتهم أكثر هدوءًا واتزانًا، وأقدر على ضبط المشاعر، وأكثر إبداعًا وابتكارًا، بل إنهم يقترحون أن يكون في كل شركة كبيرة غرفة للعزف على البيانو أو غيره من الآلات الموسيقية للترويح عن النفس، أو حديقة صغيرة ينزل إليها المدير في فترة استراحة الغداء ليمارس فيها العناية بالنباتات، فتسري عنه، وتخرج به من عالم الأرقام والمفاوضات إلى عالم الطبيعة والبساطة والجمال.
لكن بعض الخريجين السابقين ينتقدون القرب الزائد بين معلم الصف والتلاميذ، لأنه يعرف خبايا كل واحد منهم، ويراقبه ثماني سنوات متواصلة، ويرفض أن تسير الفتاة بشعر مفتوح، لأنه برأيه علامة على العصيان والعنف، أو أن يرتدي الطالب فانلة (تي شيرت) مكتوب عليها أي كلمات، أو فرض العزف على آلة موسيقية معينة، وعدم السماح للتلميذ بالمشاركة في الاختيار، ويتذكرون الرقص بالثوب الفضفاض وهم في سن البلوغ، ويعتبرونه إذلالاً لهم، لفرض الشعور الجماعي بأي وسيلة. وينتقدون حرص المعلمين في مدارس فالدورف على الرد على كل الأسئلة، وكأنهم أوتوا الحكمة الشاملة، فكما كان شتاينر يعتبره نفسه ذا معرفة موسوعية، فإن أتباعه من المعلمين يسلكون نفس الدرب، إلا أنهم لا يزعمون مثل شتاينر أنهم على اتصال بالعالم الآخر.
من هو رودلف شتاينر؟
قبل 150 عامًا، وبالتحديد في 27 فبراير 1861م، ولد رودلف جوزيف لورينز شتاينر في الإمبراطورية النمساوية من أسرة بسيطة، وكان والده عاملا في السكك الحديدية، وبعد أن أتم دراسته الجامعية في العاصمة النمساوية فيينا، عمل لدى أسرة يهودية معلمًا منزليًا لأطفالها، ثم قام بنشر الأعمال العلمية التي كتبها أعظم الأدباء الألمان، يوهان فولفجانج فون جوته، وهي مؤلفات تتعلق بعلم الطبيعة، وتأثر بها بشدة، ثم انتقل للعيش في العاصمة الألمانية برلين، ونشط في الحياة الثقافية هناك، وألف المسرحيات وقدمها للجمهور، وكتب القصائد، وقام بتدريس التاريخ والعلوم الطبيعية وفن الخطابة في مدرسة لأبناء العمال، وبهرته فلسفة فريدريش نيتشه، ثم تزوج من صاحبة البيت الذي يسكن فيه، وكانت أرملة غنية، عندها خمسة أطفال، وبدأ في عام 1900م، نشاطًا جديدا هو الترحال من أجل إلقاء المحاضرات، وحصل على عضوية (الجمعية التيوسوفية)، وهي منظمة عالمية ذات جذور هندية، تعتمد على أفكار الديانات البوذية والهندوسية، تأسست في نيويورك، على يد سيدة روسية، وأصبح شتاينر في عام 1902 رئيسًا لهذه الجمعية في ألمانيا، وكانت تضم الكثير من النبلاء والمثقفين في عضويتها، ولكنه كان يعتمد في محاضراته على الخلفية المسيحية وعلى فكر الحركة المثالية الألمانية، وأضطر للانفصال عن هذه الجمعية، وأسس جمعيته التي تحمل اسما مشابها هو (الجمعية الأنتروبوسوفية)، وفي عام 1913 تولى إدارة مبنى فكر جوته، ومقره في مدينة بازل السويسرية، الذي احترق في عام 1922م، ثم أعيد بناؤه، وفي سنوات عمره الأخيرة، أسس منهج فالدورف التربوي، إضافة إلى مبادئ الطب الأنتروبوسوفي، وعلم الزراعة البيئي، وطائفة (جماعة المسيحيين)، وتوفي في 30 مارس 1925م، وهو في الرابعة والستين من عمره، بعد أن ألقى حوالي 6000 محاضرة، وقطع ملايين الكيلومترات من السفر بالقطارات.
بين الرافضين والمؤيدين
يراه البعض مخرفًا، يتبنى مفاهيم عصر ما قبل الحداثة، وأن دوره ينحصر في أنه «جمع القمامة التي كانت موجودة في الشوارع، على عتبات انتقال العالم إلى الثورة الصناعية»، ويرون أنه كان سيصبح شخصية منسية، لولا مدارس فالدورف التي مازالت تسير على خطاه، وتنشر أفكاره، لأنه كان مجرد فرد في حركة كانت سائدة آنذاك، ترفض الحداثة، وتريد التمسك بنمط حياة بديل عن النمط السائد، ويرون أنه الفرد الوحيد من أتباع حركة المثالية الألمانية، الذي خلده التاريخ، بعد أن رسب رفيقه كارل ماركس في البقاء بسبب فشل أيدلوجيته.
أفكاره التي جمعها في 400 مجلد، والتي تستعين بها 1000 مدرسة فالدورف، و3000 مزرعة تطبق نمط الزراعة البيئي الذي نادى به، ودعوته إلى عدم ربط الدخل بالعمل، وعلى أهمية نقل ملكية رأس المال للمجتمع بأسره، مازالت تجد أتباعا لها، وأسلوب الرقص الذي ابتكره، المعروف باسم (يورثمي)، مازال جزءًا أساسيا في منهاج مدارسه، والطب الأنتروبوسوفي يحظى باحترام الكثيرين، و(الجماعة المسيحية) التي أنشأها تجد أتباعا لها بصورة متزايدة، ويرى المؤيدون له أن التراث الذي تركه شتاينر، يصلح لأن يكون «تصورًا شاملًا لطريقة عيش مختلفة في عصر تهيمن عليه المادية»، أما المعارضون فيرون أنه عبارة عن «كون موازٍ لعصر العلم».
ولعل الملفت للنظر أن المؤيدين لفكر شتاينر، هم من الطبقة الراقية في المجتمع، والراغبين في العيش بصورة مختلفة عن بقية الناس، والداعين للاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، والحفاظ على مصادر الحياة، ولذلك يرون أن مدارس فالدورف توفر لأطفالهم، هذا النمط المختلف من الحياة، والرؤية المتأملة للكون، والشخصية المبدعة التي تعيش في الطبيعة كجزء منها، وتجيد التعامل مع النفس البشرية أفضل من التعامل مع المعدات الإلكترونية الحديثة، وهو الأمر الذي يمكن اكتسابه في مرحلة لاحقة.
تعتمد فلسفة شتاينر على مزاعم بامتلاكه لعلوم سرية ميتافيزيقية اكتسبها عن طريق التأمل، وباستخدام آليات للرقي بالذات جعلته قادرًا على إعطاء معلومات غزيرة عن مسار العالم وفن التربية والزراعة والأمور المالية والفلسفة والأدب، بل وعن أحوال الأشخاص الذين وافتهم المنية، ويرى خصومه أنه لم يكتسب هذه المعارف بالاتصال بقوى علوية، بل بمصادر أرضية نقلها من كتب الجمعية التي كان يرأسها، والتي تعتمد على الديانات الهندية.
يرى شتاينر أن الإنسان ينقسم إلى روح ونفس وجسد، وأن النفس تقوم بثلاث وظائف، هي: التفكير، والإحساس، والإرادة، وأن الهدف من التربية هو التعامل مع التفكير والإحساس والإرادة، بنفس الدرجة من الاهتمام والتوازن، وأن الإنسان يتطور كل سبع سنوات إلى مرحلة جديدة، تبدأ المرحلة الأولى بولادته، ويسميها (جسد الأثير)، ويركز فيها الطفل على التقليد ويبحث عن مثل أعلى، وتبدأ المرحلة الثانية عند تغير الأسنان اللبنية، ويكون التعلم فيها عن طريق اتباع شخصية لها سلطة عليه، وفي نفس الوقت يحدث تدريب للقوى النفسية للتعلم، خاصة تنمية الذاكرة والخيال المصحوب بالصور، وفي بداية المرحلة الثالثة التي تتزامن مع المراهقة، تتفتق لديه القدرة على إصدار أحكام وعلى التفكير الحر، ويكون قادرًا على صياغة أفكاره في مصطلحات معنوية.
ويصر الخبراء على أن الأمر لا يتعلق بعلوم، بل بديانة مزعومة تسعى تدريجيا -كما تزعم- إلى سمو الإنسان روحيًا، والارتقاء بذاته وبالعالم من حوله، ديانة لا ترى أن المهمة الأساسية للمدرسة هي نقل المعرفة، بل في إعادة تشكيل النفس البشرية، ديانة لا ترى أن الهدف من الطب هو علاج المرض، بل التعامل مع المرض باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة، ديانة لا ترى أن الفنون يجب أن تعبر عن رؤية، بل عن كيان، ديانة ترى أن الروح والمادة وأن المحسوس وفوق المحسوس عبارة عن وجهين لنفس العملة، ديانة تجعل من المسيحية خليطًا من العقائد الهندية، التي تمزج تناسخ الأرواح مع التأمل ومع رؤية الطالع، ولذلك فإن من يقبل على فلسفة شتاينر، لابد أن يكون واعيًا للطريق الذي يسير فيه.
بين الرفض والاستفادة
هناك دراسة عربية تحذر بشدة من هذه المدارس، وتعتبر أن هدفها الأساسي هو «إدخال أكبر عدد ممكن من الأشخاص في ديانة عقائدية إلحادية تمس كل مناحي الحياة، تؤمن بتناسخ الأرواح، وخلود الإنسان» وتنسب هذه الدراسة إلى محاضر في جامعة حيفا، متخصص في فلسفة التربية، قوله: «الكثير من الأهالي الذين يرسلون أولادهم إلى هذا النوع من التربية، تربية فالدورف، لا يعلمون إلى أين أرسلوهم، فهذه المدارس هي مكان للتجارب في العالم غير المحسوس، وغير المدرك».
وفي المقابل تؤكد مصادر فالدورف أن المدرسة المقامة في مصر مثلاً تلتزم بالإسلام الذي يفرض طابعة على الحياة في المدرسة، ولكنها لا تنكر وجود الرقص المميز لمنهج التربية الذي ابتدعه شتاينر، والعلاقة الوطيدة بين هذه المدرسة وبين المدربين القادمين من أوروبا الذين يخططون لإعداد معلمين على طريقة فالدورف في كلية تربية في هليوبليس.
ولابد من السؤال عن كيفية التعامل مع هذه المدارس، الحل أحد اثنين، إما أن نرفض هذه المدارس من الألف إلى الياء، ونبتعد عن الشكوك والمخاطر، أو نستفيد من جزئيات معينة فيها، مثل الرعاية الفردية لكل طالب، والاهتمام بالجانب النفسي والروحي، لكن على أساس عقائدي سليم، والتركيز على الأنشطة اللاصفية، مثل الزراعة والرحلات في الطبيعة، وعدم التركيز على الكتاب المدرسي وحده، بل بابتكار سبل جديدة لتقريب المادة العلمية من الحياة اليومية للطلاب، وزيادة أواصر العلاقة بين الطلاب، وتعزيز انتمائهم إلى صفهم ومدرستهم، حتى يتخرج منها وهو فخور بهذه المدرسة في حد ذاتها، ويذكرها بكل معلميها وطلابها وإدارتها بالخير دومًا، لأنها أسهمت في نجاحه في حياته المستقبلية.
وإذا كان الشعور الدائم بالمؤامرة، والخوف من كل جديد، يدفعنا إلى الركود ويحول دون الاستفادة من تجارب الآخرين، فإن التهور والترحيب بكل جديد، لمجرد أنه قادم من الخارج، ويتمتع بسمعة طيبة هناك، يمكن أن يؤدي إلى نتائج مدمرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khatab38.forumslog.com
 
بين الانبهار والاحتقار : مدارس فالدورف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الوادي  :: ابحاثومقالات علمية وتربوية-
انتقل الى: