الوادي

الحياة خبر كويس وآخر سيء
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
نوفمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930   
اليوميةاليومية
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث

شاطر | 
 

  الوقت ليس كالسيف وليس من ذهب!! بقلم : أسامة إبراهيم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد خطاب
Admin


عدد المساهمات : 148
نقاط : 441
تاريخ التسجيل : 21/07/2009

مُساهمةموضوع: الوقت ليس كالسيف وليس من ذهب!! بقلم : أسامة إبراهيم    الأربعاء أبريل 25, 2012 7:16 am


الحديث عن الوقت يكون دومًا متضمنًا للدعوة إلى الحفاظ عليه، وعدم تضييعه، واعتبار الانشغال بما لا يعود بالفائدة هدرًا للوقت، وضياعًا للعمر، وغالبًا ما يكون المقصود بالفائدة، تحقيق مكسب مادي أو معنوي من خلال القيام بعمل ما، ولذلك فمن الطريف أن نجد عالم اقتصاد غربي يطالبنا بأن نتوقف عن الانشغال بتوفير الوقت، لأن ذلك مضيعة للوقت، وينصح بالحصول بدلاً من ذلك على قسط من الراحة، وعمل استراحة من العمل والتفكير، والجلوس لبعض الوقت دون القيام بأي عمل. فهل هذه مؤامرة علينا، حتى يستمر الغرب في العمل، وتحقيق الإنجازات، ونحن ننام في العسل؟؟!!
ألمانيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تسمح لك بالسير في كثير من المناطق على الطريق السريع (الهاي واي)، بدون قيود على السرعة، أي أنه لن يمنعك أحد أن تسير بسرعة 230 كيلو مترًا في الساعة أو أكثر، إذا كانت سيارتك قادرة على ذلك، بشرط احترام قواعد المرور، مثل عدم تجاوز سيارة أخرى من جهة اليمين، وألا ترعب من أمامك بنور السيارة أو بآلة التنبيه، لكي تتجاوزه.
لذلك فلابد أن تدهش إذا سمعت في راديو السيارة في ألمانيا، وأنت منطلق بمثل هذه السرعة، شخصًا يتحدث عن روعة الماضي، ومميزات ركوب عربة يجرها حصان، تتيح للراكب فيها الاستمتاع بالطبيعة، والتعرف على أنواع الأشجار، وإلقاء التحية على من يمر عليهم، أو أن يرفع رأسه إلى السماء، ويتأمل السحاب. ثم ينبهك الشخص المتحدث في المذياع الألماني إلى أن فترة الانتقال من مكان إلى آخر، ليست فترة ضائعة من العمر، إلا إذا تعاملت معها على هذا الأساس، فتكون فترة ربع الساعة التي تسير فيها بسرعة كبيرة بالسيارة، فترة حرمان من الشعور بكل ما حولك، أي وقت بلا حياة، في حين كانت فترة الساعة التي استغرقتها الرحلة بالعربة التي يجرها الحصان، وقتًا مليئًا بالحياة.
الحديث هنا عن البروفيسور كارل هاينتس جايسلر، وهو أستاذ الاقتصاد بجامعة القوات المسلحة الألمانية في ميونيخ، منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وهو أحد أشهر الباحثين في مجال (الوقت) في ألمانيا، صاحب الكثير من المؤلفات والمقالات والأبحاث عن هذا الشيء الذي نسعى لتطويعه، فنكتشف أنه هو التي يطوعنا، وأنه مثل الهواء الذي لا نملك أن نمسكه بأيدينا، لكنه يحيط بنا من كل اتجاه، حسب قوله.
من الأمثلة التي ترد كثيرًا في كلامه، حديثه عن القطار الألماني الشهير (أي سي إي)، الذي تصل سرعته إلى 330 كيلو مترًا في الساعة، والسؤال عما إذا كنا سنسعد بوجوده، إذا كان دائم السير بهذه السرعة، دون أن يتوقف في محطات، ينزل فيها البعض، ويركب فيها آخرون. كما يروي قصة الرجل الذي أراد أن يحافظ على كل لحظة في حياته، فقرر عدم إضاعة الوقت في النوم، فعاش متعبًا، ومات بسرعة، فخسر كل الوقت بدلاً من الحفاظ على بعض الوقت.
وحتى لا يحدث سوء فهم، فإن جايسلر لا يطالب بترك العمل، ولا بقلة الهمة والنشاط، بل يطالب بأن تكون الحياة خليطًا من العمل والراحة، ووقف العمل بنظرية (الوقت من ذهب)، التي أدت إلى حساب كل شيء بالمال، والقضاء على الهرولة والاستعجال ونفاد الصبر، الذي أصبح يهدد حياتنا جميعًا، هو يدعو إلى أن نعيش الحياة، بدلاً من أن تضيع منا ونحن نلهث لتحقيق المزيد من الرفاهية، ثم لا نجد الوقت لنستمتع بها، وينبه إلى أن الرفاهية ليست في امتلاك القصر الكبير والسيارة الثمينة ولا في الثياب الجميلة، بل في القدرة على التخلي عنها، حتى يجد الإنسان الوقت لما هو أهم في هذه الحياة.
وهو يستنكر أكذوبة «ليس عندي وقت»، لأن الأمر ببساطة يتعلق بترتيب الأولويات، فحينما يقول لك شخص، إنه يتمنى أن يقابلك، ولكنه يعاني من ضيق الوقت، فإن الأمر ببساطة أن في حياته الكثير مما يحتل مكانة متقدمة عنك، وبنفس المنطق، يمكن أن ندرك أن من لا يجد الوقت للصلاة في المسجد، أو في الحديث مع أطفاله قبل النوم، أو السفر مع أسرته لقضاء العطلة بسبب ضيق الوقت، يعاني من اضطراب الأولويات في حياته.
حان الوقت
يستعرض جايسلر في كتابه الطريف والقي�'ِم في الوقت ذاته، والذي يحمل عنوان: (مدح الاستراحة: كيف أن الوقت غير المنتج هو مكسب)، بعض الأعراض التي إذا ظهرت على الشخص، فيجب أن يعيد النظر في أسلوب حياته، لأنه أشرف على حافة الهاوية.
من هذه الأعراض أن يكون أول ما يفعله الشخص بعد عودته من يوم عمل شاق، هو أن يقوم بتشغيل التلفزيون لمعرفة أخبار العالم، قبل أن يسأل عن أخبار أسرته، أو أن يعتاد المرء على النوم في الفنادق، بحيث يصبح سريره في البيت غريبًا عليه، أو أن يصل إلى محطة القطار، ويضطر إلى الاتصال بالسكرتيرة أو بزوجته ليسأل عن المدينة التي ينبغي عليه السفر إليها، لكثرة المدن التي سافر إليها في الفترة الأخيرة، أو أن يجلس على العشاء، وعندما يسمع رنين الهاتف، يضع الملعقة على أذنه بدلاً من الجوال، أو أن يعتاد على الاتصالات الصباحية، من رئيسه في العمل أو حتى من السكرتيرة، لإبلاغه بقائمة المهام التي ينبغي عليه إنجازها في هذا اليوم، وأن يسرع للرد على الهاتف، كلما سمع صوت جرس، حتى ولو كان جرس المنبه أو حتى أجراس الكنيسة، وأن يكون آخر ما يراه في المساء، وأول ما يفتح عليه عينيه في الصباح، هو البريد الإلكتروني أو الجوال، وليس وجوه أطفاله وزوجته.
ويستحضر العالم الألماني ما قاله أحد الظرفاء، من أن كل الأيام طولها 24 ساعة، لكنها مختلفة العرض، بعضها يمر بسرعة، وبعضها لا يريد أن ينتهي أبدا، ويعتبر أن الناس الحريصين على توفير الوقت، ينظمون أوقاتهم، لكنهم لا يعيشونها، بل يرمون بها وراء ظهورهم، وينبه إلى أن الأوقات قد تكون بلا ثمن، لكنها لن تكون بلا قيمة، لأن وقت الانتظار والاستراحة والتكرار ليس وقتًا ضائعًا على الإطلاق، لأن الوقت الذي وفرته الحضارة الغربية، وحققت من خلاله الرفاهية المادية، لم تجعل الناس أكثر سعادة، بل على العكس زاد الاكتئاب والتوتر والضيق والشعور بالعزلة عن الناس.
وينقل جايسلر عن الفيلسوف الفرنسي بول فالاري استغرابه من أن أوقات التقاط الأنفاس من اللهث وراء الأهداف المادية أصبحت موضع سخرية الناس، فالانتظار ممقوت، والاستراحة أصبحت من شيم الكسالى، والعمل بهدوء وروية أصبح دليلاً على البلادة وضعف الأداء، الذي يستحق الموظف عليه لفت النظر، بل والفصل من عمله، ثم يتساءل مستنكرًا: ألم ينتبه الناس أن الحرب تندلع بسرعة، والسلم يحتاج إلى وقت، أن العمل الروتيني يسير بسرعة، وأن العمل الإبداعي يحتاج إلى الوقت، أن الطعام الطيب والفاكهة الناضجة، والوردة المتفتحة كلها تحتاج إلى الوقت؟
الوقت، هذا اللغز الكبير!
في خطاب لعالم الرياضيات الألماني لامبرت إلى الفيلسوف العملاق إيمانويل كانت، بتاريخ 13 أكتوبر 1770م، وكان الأخير منشغلاً بالتفكير في الوقت، وأراد لامبرت أن يساعده في فهم الوقت، فكتب له: «يبدو أن أفضل تعريف هو أن الوقت، هو الوقت»، وهو تعريف ربما يكون بسيطًا إلى درجة السذاجة، ولعله لا يسهم في فهم المصطلح، ولكن هل يفيد القول إن الوقت هو هذا الشيء الذي يكون عندنا أثناء قيامنا بعمل ما نقوم به؟ بالطبع لا.
عالم الفيزياء أينشتاين يعتبر الوقت «هو ذلك الوهم العنيد»، والفيلسوف الوجودي مارتن هايدجر، يقول إن الوقت «هو الوجود للموت»، ويرى علماء اللاهوت أن الوقت هو «بوابة الخلود»، وعلماء النفس يعتبرون الوقت «هو الشعور بدون حواس»، وعلماء الاجتماع يعتبرونه «وسيلة لتحقيق النظام في إطار الزوال»، وعلماء الاقتصاد يصرون على أن «الوقت من ذهب»، ولذلك فهو «مادة خام» مهمة يمكن الاستفادة منها، أما بعض السياسيين فلا يرون فيه إلا «مقياسًا لفترة الدورة التشريعية»، حتى يأتي وقت الانتخابات من جديد، ويرى الأديب الحاصل على جائزة نوبل، توماس مان، أن الوقت «لغز لا جوهر له، لكنه جبار»، ولذلك يميل جايسلر إلى نصيحة الفيلسوف لودفيج فيتجنشتاين، بالتوقف عن البحث عن إجابات لأسئلة لا إجابة عليها.
يفضل العالم الألماني أن نبحث عما نفعله بالوقت، بدلاً من البحث عن جوهره، فيقول إننا نسعى من خلال الوقت أن نملأ الفراغ، الذي نخاف أن يجعل حياتنا سقيمة، ويعود للقول إن الذي نقيسه في هذه الحالة، ليس هو الوقت، بل التغيرات التي تقع في هذه الفترة، ويؤكد أن الساعة لا تقيس الوقت، بل إن عقرب الساعة يقيس المسافة بين الإشارتين اللتين تنقل بينهما، ولو لم تحدث تغيرات لما تحدثنا عن الوقت، ولعلنا نذكر هنا قصة أهل الكهف، الذين لم يشعروا أثناء نومهم بمرور أكثر من 300 سنة عليهم، وحسبوها يومًا أو بعض يوم.
وكلنا يعرف أن هناك فرقًا بين الوقت الذي تحسبه الساعة، والوقت الذي نشعر به، والذي يبدو أحيانًا أطول من الوقت الذي قامت الساعة بقياسه أو أقصر منه، ويؤدي عدم حدوث أشياء حولنا إلى الشعور بأن «الوقت قد توقف»، وعندما تأتي لحظة سعيدة في حياتنا، نتمنى أن يتوقف الزمن، وإذا لم تمر علينا مثل هذه اللحظات، فليمر الوقت كما يشاء.
الوقت والمال
أراد النظام الرأسمالي العالمي الاستفادة من الوقت إلى أقصى درجة، وكان اختراع الكمبيوتر طفرة في عالم المال، لأن التجارة ونقل المعلومات لم تعد تحتاج إلى فترات زمنية متباعدة، وتحويلات الملايين من الدولارات تتم بضغطة زر، فأصبحت أسواق الأموال والبورصات تتحرك بسرعة هائلة، ولم تعد هناك فترات استراحة، ولم يعد هناك فاصل زمني، حتى تنتقل العملية التجارية من المشتري إلى البائع، ولم يعد هناك الوقت الكافي للتفكير في القرار قبل اتخاذه، وأصبح الهدف الوحيد للاقتصاد هو تحقيق أكبر عائد مالي، ومن أجل هذا الهدف جرى تجاهل حاجة الإنسان إلى الراحة والتأني، مما يوضح أن الأزمة الاقتصادية العالمية، من جراء الانهيارات التي حدثت في أسواق المال العالمية، كانت أمرًا لا مفر منه.
يقول جايسلر إن الخطأ الذي وقعت في أسواق الأموال، أنها اعتقدت أن الحياة البشرية يمكن أن تتحول إلى حلقة متواصلة من النشاط والعطاء بدون توقف، تنعدم البداية والنهاية، وتتواصل عمليات البيع والشراء بالكمبيوتر بلا توقف، وينبه إلى أن الإنترنت لا يعرف أول الطريق ووسطه وآخره، لا يعرف الانتقال من حال إلى حال، ويتجاوز عنصر الوقت، ليكون الفرق الوحيد هو تشغيل الإنترنت أو فصل الإنترنت، وهذا ما قاله أحد مدراء البنوك بعد الأزمة المالية العالمية، من أن حدوث هذه الأزمة منحهم الفرصة والوقت لكي يفكروا فيما كانوا يفعلون، دون أن يجدوا الوقت للتفكير فيه من قبل، الكل كان مشاركًا في الجريمة، الكل يريد أكبر قدر من المال، في أقل قدر من الوقت، وأن تستمر العملية التجارية بلا توقف، من أجل الحصول على المزيد والمزيد من الأموال.
نسي الجميع في خضم البحث عن المزيد من الأموال، أن أفضل السيارات في العالم، التي تسير بأقوى محرك في العالم لابد أن تمتلك أيضًا القدرة على التوقف، أن تكون لديها فرامل جيدة تضمن لها الوقوف دون الانقلاب وقتل كل من بداخلها، ولكن النظام المالي العالمي لم يكن يفكر كيف يبطئ من حركته، حتى يتوقف أو على الأقل حتى يعدل من مساره، وتناسى الجميع أنه يجب أن نقول لأنفسنا (كفاية)، أو أن يكون لدينا على الأقل لحظة للتفكير في ذلك، لكن هذه اللحظة كانت دومًا غير موجودة، لأن «الوقت من ذهب»، والوقت الذي «سيضيع» في التفكير، يمكن استغلاله في القيام بالمزيد من العمليات التجارية، ولعل من دلائل هذا التفكير المادي، ما ورد في تقارير صحفية، تضمنت ما يلي:
- بورصة زيوريخ أعلنت بفخر أن عدد الصفقات التجارية في سوق الأسهم ارتفعت من 45 عملية في الثانية في عام 1996 إلى 3000 عملية في الثانية في عام 2008.
- صرح سمسار في البورصة لأحد الصحفيين بأنه في بعض الأيام يكون على اتصال مع 75 شخصًا على الإنترنت في نفس الوقت الذي لا يتوقف فيه عن التحدث في الهاتف.
- كشف تاجر أسهم يتعامل في مختلف البورصات العالمية أنه لا يدخل السرير إلا مع جهاز اللاب توب الذي لا يتوقف طوال الليل، وأنه يحاول أن يكون مثل الطيور التي تنام بعين واحدة، وتترك عينها الثانية مفتوحة حتى يتمكن من متابعة أوضاع الأسهم طوال الوقت.
المشكلة أن هذا السعي للاستفادة من كل لحظة في الإنتاج لم يعد يقتصر على سوق الأموال، بل نجد أن تناول الطعام الذي كان وقت اجتماع الأسرة والتحدث عن أحوال كل فرد، أصبح يتم في مطاعم الوجبات السريعة، أو حتى في مطاعم استلام الطعام داخل السيارة «درايف إن»، تدخل بالسيارة، وتطلب الطعام عند المدخل، لتستلمه بعد خمس دقائق، وتأكله أثناء القيادة للاستفادة من الوقت، الذي لا «يضيع» في الطعام، بل تأكل وتقود السيارة، وتتحدث في الجوال، وربما تشاهد التلفزيون، أو تستمع إلى الموسيقى، ولا يضر أن تعطي أوامر البيع والشراء، أو تحلق ذقنك إذا كنت رجلًا، أو تضع الماكياج إذا كانت امرأة. هل هذه حياة؟
وحتى إذا كنت بطلاً، وقررت أنك لا تريد أن تستغل الوقت لكسب المال، وأنك تريد أن تستريح، وتجلس على النهر، فإن الآخرين لا يتنازلون عن مبدأ «الوقت من ذهب»، فيطالبونك بتناول القهوة أثناء جلوسك، أو تناول فطيرة، وأن تدفع، فقد أعطوك وقتًا للجلوس عندهم، ولا يجوز أن تقضي الوقت عندهم، دون أن تدفع.
هل تتخيل أن محطات القطارات في هونج كونج، قررت فرض غرامة على من يجلس في المحطة، للانتظار أو لمشاهدة القطارات فقط، دون أن يكون هدفه الانتقال من قطار إلى آخر، أو ركوب أول قطار ينقله إلى المكان الذي يريده؟ هل تتصور أن رجال الأعمال في لندن، طالبوا إدارة المدينة بأن تفرض غرامة على المشاة في الطريق الذين يتلكئون، ولا يسيرون بسرعة، فيعطلونهم عن الوصول إلى مصالحهم بسرعة، وعندما رفضت إدارة المدينة ذلك الاقتراح، طالبوها بأن تقسم رصيف المشاة إلى قسمين، أحدهما للمسرعين في الخطو، والآخر لمن يريد أن يمشي ببطء. وحتى لا تستغرب من هذه الاقتراحات، فيجب أن تعلم أن الكثير من دول أوروبا وضعت لافتات كبيرة، توضح أن السلالم الكهربائية في المطارات ومحطات القطار والمترو، مقسمة إلى قسمين، اليمين لمن يظل واقفا أثناء حركة السلالم، واليسار لمن يريد أن يسرع بالحركة مع السلالم. فإذا صح بعد كل ذلك أن «الوقت من ذهب»، فماذا نفعل بالذهب، إذا لم يعد هناك وقت، لنعيش فيه؟
يوم العطلة الأسبوعية
يأتي كثير من السياح العرب إلى بعض الدول الأوروبية، ويستغرب إغلاق المحال التجارية في المساء، حتى محطات وقود السيارات، وحتى المخابز، وحتى محطات القطارات والمطارات، ويتحسر على أيام أمريكا، التي توجد فيها محلات سوبر ماركت لا تغلق ليل نهار، ويتهم هذه البلاد بالغباء، لأنها تضيع على نفسها فرصة المكسب المالي، إذا فتحت فترات أطول، ويستاء بشدة من إغلاق كل المتاجر يوم الأحد، حتى تتحول المدن إلى بيوت أشباح.
إن هذا التفكير يتجاهل العامل الإنساني، فالموظف في هذه المتاجر، إنسان وليس آلة، وعنده أسرة وأبناء، يحتاجون إليه، ويحتاج إليهم، ويريد أن يقضي معهم يوم العطلة، كما يقضيها بقية موظفي المصالح الحكومية والشركات الخاصة، لأن عمله بائعا في متجر، أو عامل نظافة في الطريق، لا ينفي عنه صفة الإنسانية، ولا يجعله بدون مشاعر تجاه أسرته. ولذلك من المؤسف أن نرى البائع في السوبر ماركت قبل أن نعود إلى بيوتنا في وقت متأخر من الليل، ثم نرى الشخص نفسه في الصباح الباكر، ولا نفكر للحظة في هذا الكائن البشري المسكين.
في مطلع الحرب العالمية الأولى عام 1914م، حاول القطاع الصناعي البريطاني أن يدعم الاقتصاد لتمويل الحرب ومساعدة البلاد، فوضع حزمة من الإجراءات، كان من بينها إلغاء يوم العطلة الأسبوعية، وهو يوم الأحد، حتى لا تتوقف الماكينات في المصانع، وحتى تتحقق زيادة الإنتاج، لكن المفاجأة التي صدمت الجميع، أن إلغاء يوم العطلة، أدى إلى تراجع حجم الإنتاج، وكثرت الأعطال في تشغيل المصانع، وانخفض الحماس للعمل، وكثرت حالات التغيب عن العمل بسبب المرض والإعياء، فقرر الخبراء البريطانيون إعادة يوم الراحة الأسبوعية، وظهرت النتائج الإيجابية لهذه الخطوة فورا، وكانت هذه الواقعة درسًا لم تنسه بريطانيا، ولعل ذلك ما يبرر إصرار أصحاب العمل في الكثير من الدول الأوروبية على أن يوقع الموظف في عقد العمل على بند ينص على عدم جواز ممارسته لعمل إضافي بعد انتهاء دوامه في عمله الأصلي، وعدم العمل في أثناء العطلات الأسبوعية أو السنوية، بل تسعى الشركات في المقابل لتوفير رحلات مجانية للعاملين فيها للاستجمام، وتدفع لهم اشتراك العضوية في النوادي الرياضية، حتى يستريحوا من عناء العمل، ويعودوا إلى أماكن عملهم أكثر نشاطًا.
وينبه جايسلر إلى أن محصلة العمل لا تتوقف على عدد الساعات التي يعملها الموظفون، بل تعتمد بنفس الدرجة من الأهمية على عدد الساعات التي لا يعملها الموظفون، وهي قاعدة يجب على أصحاب العمل أن يضعوها نصب أعينهم.
لكن الحكومات أيضًا عليها مسؤولية تصحيح المسار، بوضع قيود على أوقات فتح المتاجر، بفرض يوم عطلة لكل الناس، وأن يصبح العمل في يوم العطلة هو الاستثناء، وليس القاعدة، وبمعاقبة صاحب العمل الذي لا يفرق بين البائع في المتجر، وبين البضاعة التي يبيعها، ويرى في كل منهما مصدر كسب فقط، على الحكومات أن توفر الحدائق في كل مكان، بدون مقابل مادي، وبدون مقاه أو مطاعم، بل تكون فيها أماكن للجلوس والاستمتاع بالطبيعة، بحيث يعود التماسك الأسري والتقارب الاجتماعي والاستقرار النفسي للفرد.
التنوع هو الحل
لا يريد جايسلر أن يخلد الناس للراحة، ولا أن يتحولوا إلى أشخاص كسالى، بل على العكس هو يدعو إلى العمل باجتهاد فهو عالم اقتصاد، لكنه ينبه إلى أن الراحة التي لم يسبقها عمل تكون بلا طعم، والمزج بين السرعة والبطء هو الذي يجعل إيقاع الدنيا متماشيًا مع الطبيعة البشرية، التي تعيش حسب قوله على «المتناقضات المتصالحة».
يضرب على ذلك مثالاً من الحياة اليومية لأهمية الجمع بين النقيضين وهما السرعة والبطء، حين تتسبب الريح في طيران القبعة من فوق رأس الشخص، الذي يضطر للجري وراء القبعة ليمسك بها، وهو أمر لا يتحقق بالجري بسرعة فائقة، لأنه عندئذ سيتجاوز القبعة، دون أن يمسك بها، ولا أن يسير ببطء شديد فتختفي عن أنظاره، والتصرف الصحيح هو أن يجري حتى يتجاوزها بخطوات قليلة، ثم يقلل من سرعته، لتقترب من سرعة حركة القبعة، ثم تلتقطها يده الماهرة من على الأرض.
ثم يتساءل لماذا يريد كل واحد منا أن يحصل على غرفة الفندق بسرعة فور وصوله، حتى ولو كان ذلك قبل الظهر بساعات، في حين أننا جميعا نحب أن نبقى في الغرفة يوم المغادرة إلى أطول وقت ممكن، ونكره أن يستعجلنا موظفو الفندق، حتى ولو كان ذلك بعد الظهر بساعات طويلة؟ لماذا نغضب من الخادمة إذا لم تتحرك بسرعة، وإذا لم تنجز عشرات المهمات في نفس الوقت، مع أننا لا نسمح لأحد أن يستعجلنا في القيام بأقل جهد، فالابن الصغير يصرخ إذا طلب منه أبوه أن يسير بسرعة لإحضار كوب الماء له، أو إذا نصحه بالانتهاء من واجبه المدرسي بسرعة، أو أن يرتدي ملابسه فورا قبل أن يتحرك باص المدرسة؟ هل يا ترى مازلنا نتحدث عن «المتناقضات المتصالحة» داخلنا، أم أنها ازدواجية معايير داخلنا؟
ينبهنا جايسلر إلى أن كل من يركب الدراجة يعلم أن الحفاظ على توازنها يتطلب الوصول إلى السرعة المناسبة، فالبطء الشديد يؤدي إلى السقوط بها، وكذلك السرعة الشديدة، تعرض الراكب للخطر الكبير من عدم القدرة على التحكم فيها.
ويطالبنا بأن نغير نظرتنا إلى الانتظار، الذي أصبحنا نكرهه جميعًا، رغم إدراكنا أننا لن نستطيع أن نقضي عليه من حياتنا، ويذكر أن الإحصائيات الأمريكية توصلت إلى أن مجموع الأوقات التي يقضيها الإنسان الأمريكي طوال حياته خلف الإشارة الحمراء في الطريق، تعدل ستة أشهر، وأن مجموع الأوقات التي يقضيها في طابور شراء التذاكر أو إنهاء إجراءات السفر في المطار، أو غير ذلك من الطوابير، يبلغ حوالي خمسة أعوام، ومجموع الأوقات التي يقضيها في انتظار الرد على اتصاله الهاتفي، يبلغ عامين، ولذلك فإن الانتظار جزء أساسي في الحياة، وكل محاولات العلم الحديث للتقليل من أوقات الانتظار، أدت إلى نتائج عكسية، فالوقت المخصص لوقوف القطارات في كل محطة لا يتجاوز الدقيقتين، مما يتسبب في فقدان الكثيرين للقطار، وانتظار القطار التالي.والسفر بالطائرة، الذي من المفروض أن يوفر الوقت، تسبقه ساعات للوصول إلى مطار السفر الموجود خارج المدينة، ثم ساعتان أو ثلاث ساعات لإنهاء الإجراءات، وبعد الوصول يحتاج المسافر إلى ساعة أو أكثر في المطار، للمرور بإدارة الجوازات وانتظار الحقائب، ثم رحلة الانتقال من المطار إلى البيت. حتى رواد الفضاء الذين يقطعون المسافات بسفن الفضاء بسرعة كبيرة، يحتاجون إلى فترة استعداد لشهور طويلة قبل السفر، يتعلمون خلالها الانتظار والصبر.
ولذلك فلعل الحل هو النظر لوقت الانتظار باعتباره هدية غير متوقعة، لتستمع بها، مثل الطفل في المدرسة، الذي يبلغه معلمه أن الدراسة ستتعطل في اليوم التالي بصورة مفاجئة، فيتعالى صياح الفرح.
عواقب الاستعجال
ويقول العالم الألماني إن التسرع والاستعجال يؤديان إلى فقدان الكثير من الحواس والأحاسيس، ويذكر ما قام به عازف الكمان العالمي جوشا بيل، الذي اتجه في عام 2007م، وهو يرتدي ملابس عازف فقير إلى محطة مترو الأنفاق في العاصمة الأمريكية واشنطن، في وقت الذروة، وأخذ يعزف أجمل الألحان، ولكن الناس لم تأبه له، ومر عليه 63 شخصًا دون أن يعيره أحدهم اهتمامًا، ووقف الشخص رقم 64، ووضع سنتات قليلة وواصل السير، وبعد مرور 1070 شخصًا، كان مجموع ما حصل عليه منهم 32 دولار و17 سنتا، ويعلق جايسلر على ذلك قائلاً: «لقد كان باب الجنة مفتوحًا على مصراعيه، لكن الناس تمر عليه، دون أن تدخل»، فتذاكر دخول حفلة لهذا الموسيقار باهظة الثمن، ولكن الاستعجال حال أن تعمل حاسة السمع لدى المشاة المستعجلين للحاق بالمترو، دون أن يسألوا أنفسهم ماذا يحدث لو تركت المترو، لأستمع لهذا العزف الفريد، وأركب المترو التالي له.
إلا أن التجربة الأشد إيلامًا للنفس هي التي قام بها الباحثان جون دارلي ودان باتسونين من جامعة بريستون العريقة، فقد أبلغوا طلاب الجامعة في تخصص علوم الأديان، أن المحاضرة التي سيستمعون إليها عن مفهوم الرحمة في الدين، ستقام في مبنى مجاور لمبنى كليتهم، وقسموا الطلاب إلى مجموعتين، أبلغ دارلي المجموعة الأولى أن المحاضرة ستبدأ خلال دقيقتين وأن عليهم أن يسرعوا للوصول إلى المبنى المجاور، لأن زملاءهم ينتظرون وصولهم، وحتى لا يضيع وقت المحاضرة، وأبلغ باتسونين المجموعة الثانية أن المحاضرة مازال أمامها نصف ساعة، وأن بمقدورهم التوجه إلى هناك في هدوء واطمئنان، لأنه مازال هناك الكثير من الوقت.
في الطريق بين المبنيين، وفي مكان لابد أن يمر عليه كل الطلاب، وضع الباحثان طالبًا، قام بتمثيل دور المصاب بجروح خطيرة، والمحتاج إلى مساعدة حتى لا يموت، وراقب الباحثان ما حدث، واكتشفا أن غالبية طلاب المجموعة الواقعة تحت ضغط الوقت نظرت إلى المصاب، ولكنها تركته مكانه، واستمرت في سيرها إلى المحاضرة، في حين حرصت غالبية طلاب المجموعة الثانية على إسعافه والاهتمام به. وتساءل الباحثان عما إذا كان الاستعجال قادرًا على أن ينزع الرحمة من قلوب طلاب تخصصهم علوم الدين، يريدون الاستماع إلى محاضرة عن الرحمة في الدين؟ ويقول جايسلر: هل حل الالتزام بالمواعيد محل الشعور بالآخرين، والسعي لتحقيق الأهداف محل الإنسانية، والسرعة محل الحياة؟
يبدو أن الغرب اكتشف أن الحياة لها جوانب غير مادية، وأن الاقتصاد والمال والرفاهية، لا تجلب معها راحة البال ولا صفاء النفس، وأن الإنسان لن يصبح آلة لا تتوقف عن العمل مهما فعل، وأن المال يظل في خدمة الإنسان، حتى إذا ما زاد عن حاجته أصبح الإنسان خادمًا لماله منشغلاً به صباح مساء.
ولذلك فإن المسلم الذي يتوقف عن العمل خمس مرات في اليوم، ليستريح بالصلاة من هذه الدنيا، يجب عليه أن يستغل هذه الأوقات، لكي يفكر فيما يعمل، قبل أن يستمر في اللهث في الطريق دون أن يعرف لماذا يجري، وإلى أين يسير به الطريق.
حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، مع الرجل المسيء في صلاته، حين أمره بإعادة صلاته مرة وراء مرة، بقوله «صل فإنك لم تصل�'ِ»، ثم شرح له أهمية الطمأنينة في الصلاة، قائلاً: «إذا قمت إلى الصلاة فك�'َبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها»، يجعلنا ندرك أن الاستعجال في العبادة يبطلها.
فلنتعلم من أخطاء الغرب، ولنتوقف عن التحدث عن الوقت كالسيف، بل هو كالنهر، ينساب أحيانًا بسرعة كالفيضان، ويتهادى أحيانًا برقة بالغة، وهو ليس من ذهب، لأنه ليس له ثمن نحسبه بالدولار والريال، بل له قيمة عظيمة، أو على الأصح هو نعمة من�'َ الله بها علينا، فلنستفد بها بأن نعيشها، لا أن نجري وراءها.
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khatab38.forumslog.com
 
الوقت ليس كالسيف وليس من ذهب!! بقلم : أسامة إبراهيم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الوادي  :: ابحاثومقالات علمية وتربوية-
انتقل الى: