الوادي

الحياة خبر كويس وآخر سيء
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
سبتمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 
اليوميةاليومية
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث

شاطر | 
 

  الحملة الفرنسية على مصر من خلال المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي(دراسة استشراقية)عمر البوجمال بن جاسم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد خطاب
Admin


عدد المساهمات : 148
نقاط : 441
تاريخ التسجيل : 21/07/2009

مُساهمةموضوع: الحملة الفرنسية على مصر من خلال المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي(دراسة استشراقية)عمر البوجمال بن جاسم    الخميس أبريل 26, 2012 4:25 am

-الفصل الأول:دراسة الخلفيات التاريخية والاجتماعية للجبرتي.
- المبحث الأول: التكوين الفكري والتاريخي للجبرتي.
-أولا: حسن الجبرتي.والد عبد الرحمن الجبرتي.

إذا ما أردنا فهم الصيغة الاجتماعية التي عاشها عبد الرحمن الجبرتي،لابد أولا أن نفهم كيف عاش والده،الذي كان له الأثر الكبير في تكوين شخصية عبد الرحمن الجبرتي،فكل إسلاف الجبرتي،يظهر تأثيرهم ويختفي على شخصية والده،حسن،الذي هو بلا شك كان له اكبر الأثر في ابنه أكثر من أي شخص آخر،هذا الأب هو المفتاح الذي صنع من الجبرتي مؤرخا( )،وتعظيم الابن للأب مبالغ به إلى حد بعيد، لاسيما عندما وصفه بأنه "عمدة الأنام وفيلسوف الإسلام"( )،لكنه لم يكن ليخترع تلك الحقائق الكثيرة التي ذكرها عن أبيه.ومن خلاله سنفهم الكثير من التفاصيل المجهولة في حياة الجبرتي الابن،فحسن الجبرتي لم يكن مجرد عالم فلكي،بل هو فقيه له سلسلة من الشيوخ أخذ عنهم العلم، وسلسلة من التلاميذ،وله علاقات كثيرة جدا ومتشعبة،فقد وقفنا على شبكة من العلاقات الداخلية والإقليمية وتعدت إلى العلاقات الدولية( ).
من الجدير بالذكر أن حسن الجبرتي قد درس عنده طلاب فرنسيين جاءوا إليه سنة 1159هـ/1746-1747م،ودرسوا علم الهندسة على يديه،وأهدوا إليه بعض الآلات الهندسية، والحقيقة أن الفترة الممتدة من بداية النصف الثاني من القرن السابع عشر إلى قيام الثورة الفرنسية 1789م،امتازت بالاهتمام الفرنسي بالحصول على المخطوطات العربية،فضلا عن النشاط المتزايد للاستشراق الفرنسي،فقد تأسست في فرنسا مدرسة فتيان اللغة(L'É cole des jeunes de langues) سنة 1669م ،والتي تخرج منها عدد من أكابر المترجمين الملمين باللغتين العربية والتركية،في الفترة(1721-1761)،وكانوا من الذين رافقوا حملة نابليون إلى مصر في 1798م،وفضلا عن اهتمامها بدراسة اللغة العربية والتركية والفارسية،كانت مهتمة بدراسة الهندسة والفلك والرياضيات والرسم ،ولا يستبعد أن يكون هؤلاء الفرنسيون الذين درسوا عند حسن الجبرتي،هم من المستشرقين الفرنسيين؛ويشار أن التواجد الفرنسي في مصر كان أقدم من ذلك،وقد شكلوا جالية هناك( ).وفضلا عن العلاقة المتينة بينه وبين المماليك خصوصا منهم علي بك الكبير(1168-1187هـ/1755-1774م)( )،إضافة إلى المكانة الاجتماعية التي كان يتمتع بها حسن الجبرتي،فهو ذا سلطة ونفوذ وثروة.( )
ينحدر حسن الجبرتي الذي ولد في سنة(1110هـ/1698م) من عائلة أصولها حبشية من إقليم الجبرت في الحبشة.وتقع جبرت بالقرب من ميناء زيلع الواقع قرب مدخل البحر الأحمر من الجنوب الشرقي له،وقد حكمت هذه المنطقة من قبل نجاشي الحبشة:والحقيقة أن عائلة الجبرتي كانت متزمتة دينيا إلى حد بعيد،وكانوا زهادا،رحل أكثرهم إلى مكة مشيا على الأقدام،وكانوا على المذهب الحنفي أو الشافعي،ويشير د.أيلون أن عبد الرحمن الجبرتي يخفي شخصيته بالكامل في كتابه،في حين أن بعض معاصريه تكلموا عنه قليلا،والحقيقة أننا لانعلم لماذا هذا الغموض من قبل الجبرتي،إلا أننا من خلال دراستنا لشخصية والده حسن،ربما نستطيع اكتشاف الجوانب الغامضة من شخصية عبد الرحمن الجبرتي( ).
رحل الجد السابع عبد الرحمن زائرا إلى مكة المكرمة ومجاورا لها،ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة لينضم إلى الجامع الأزهر ويؤسس رواق للجبرتية في 1-محرم-901هـ/20-سبتمبر/أيلول-1495م، كما عمل قاضيا في القاهرة،وليس لدينا معلومات كافية عن ممارساته القضائية( )،تزوج بعد ذلك وأنجب ولدا اسمه محمد،وورثه شيخا على رواق الجبرتية،ثم أعقب ولده علي على مشيخة رواق الجبرتية،والذي تزوج من زينب بنت القاضي عبد الرحيم الجويني،فصار له شهرة وثروة،وخلف ولدين:حسن(ت1097هـ)،وعبد الرحمن الذي توفي في حياة أخيه سنة (1089هـ)،ثم تحولت الثروة التي خلفها علي من زوجته زينب الجوينية إلى ولده حسن،الذي تزوج من مريم بنت العمدة محمد بن عمر المنزلي الأنصاري،ثم توفي حسن فأعقب إبراهيم فتكفلت أمه مريم على أمواله،وتزوج من ستيتة بنت عبد الوهاب أفندي الدجلي سنة 1108هـ،ثم ولد له حسن الجبرتي سنة 1110هـ،فلما توفي والده كفلته أمه ستيتة بوصية من جدته أم أبيه مريم،وكان الشيخ محمد النشرتي( )،الذي قرره على مشيخة رواق الجبرتية، موكلا بتصريف أحوال العائلة بحكم وصايته على حسن الجبرتي. وقد ورث حسن الجبرتي الكثير من الأوقاف التي أوقفتها جدته مريم ،وتوفي حسن الجبرتي في عام 1188هـ/1774م،عن عمر ناهز 77 عاما ( ).عندما كان ابنه عبد الرحمن يبلغ من العمر(21 عاما).فتحولت جميع الأملاك والأوقاف التي خلفها أسلافه إليه دون منازع على تلك الأموال والثروات الطائلة( ).
يبدو جليا أن الجد السابع لعائلة الجبرتي والذي تنتهي معرفة عبد الرحمن الجبرتي لأجداده به،حتى أن-الجبرتي مؤرخنا- يشدد على أن معرفته بنسبه تنتهي بجده السابع عبد الرحمن ( )-،قد تزوج من مصرية لما نزل مصر وأسس رواق الجبرتية فيه،والذي يهمنا في الأمر أن عائلة الجبرتي كانت ذات ثروة وجاه كبيرين،ولعل ذلك جاء من المصاهرة التي قام بها الجبرتية من العائلات المصرية المشهورة والغنية،فقد تزوج علي بن محمد بن عبد الرحمن من زينب بنت الجويني،فصارت له شهرة وثروة،وورث عنها ولده حسن الثروة الكبيرة،وهكذا تجمعت الثروة والشهرة بيد الجبرتية،وربما كان تعاقبهم على مشيخة رواق الجبرتية نتيجة تلك المصاهرات التي زادت من ثروتهم.والتي تحولت نهاية المطاف إلى حسن الجبرتي( ).
وهذا يعني بمجمله أن الشيخ حسن الجبرتي قد عاش في بيئة اجتماعية مرفهة،اجتمعت بيدها السلطتين الدينية والمالية،مما انعكس بدوره إلى أن يكون حسن الجبرتي متعدد المواهب والصفات،وله قدرة على التمتع برغد العيش دون الحاجة إلى العمل الشاق الذي يمارسه معظم المصريين آنذاك( )،وان تكون له كلمة مسموعة بين العلماء وأرباب السلطة من كبار رجال الدولة.حتى أن حسن الجبرتي يقول انه لم يعرف احتياجات أهله وبيته إلا بعد موت جدته مريم( )،أي انه لم يكن ذا مسؤولية توجب عليه الاهتمام بالأمور المنزلية لما له من ثروة طائلة.فقد كان يتنقل بين البيوت والمساكن التي ورثها في كل بيت يقضي أياما حسب ما تقتضيه حالته النفسية.كذلك فقد اشتغل بالتجارة،كما انه عمل في السلطة،فبعد أن تزوج بنت الأمير المملوكي علي أغا باش اختيار متفرقة الذي كان يحكم قلاع الطور والسويس والمويلح بالطوري،وبعد موته تقلد حسن الجبرتي منصبه فترة من الزمن،ثم تزوج من بنت رمضان جلبي بن يوسف المعروف بالخشاب( )،وهم بيت مجد وثروة ببولاق،ولهم أملاك وعقارات وأوقاف،وقد كان حسن الجبرتي مولعاً بالنساء فقد تزوج كثيرا( )،كما كانت زوجته تقدم له الكثير من الجواري( ).
و ذكر احد المستشرقين الفرنسيين،وهو الرسام بريس دافين، أن حسن الجبرتي كان مولعا بالنساء،فكان يمتلك الكثير من السراري والجواري،حتى أن زوجته كانت تقدم له عدد من الجواري تعبيرا منها على احترامه. ويؤكد ذلك عبد الرحمن الجبرتي، أن والده كان له ثلاثة مساكن أحدها هذا المنزل بالقرب من الأزهر وآخر بالابزارية بشاطىء النيل ومنزل زوجته القديمة تجاه جامع مرزه وفي كل منزل زوجة وسرارِ وخدم فكان ينتقل فيها مع أصحابه وتلامذته وكان يقتني المماليك والعبيد والجوارى البيض والحبوش والسود ومات له من الأولاد نيف وأربعون ولدا ذكورا وإناثا كلهم دون البلوغ ولم يعش له من الأولاد سوى الحقير( ).
وهذا ما دفعنا إلى الاعتقاد بان عائلة الجبرتي كانت من العائلات الإقطاعية في مصر،لما لهم من ثروات وأملاك كبيرة،وكانوا حريصين جدا على الزواج من العائلات المشهورة بالمجد والثروة،ومما يثير الدهشة أن كنية"الجبرتي"ظلت ملازمة للعائلة لفترة طويلة حتى بعد وفاة عبد الرحمن الجبرتي(مؤرخنا)،مما يعني أنهم حرصوا كثيرا على الحصول على مكانة اجتماعية وعملوا على ذلك ونجحوا،فكما رأينا من المصاهرات التي بدأت من جدهم السابع عبد الرحمن وصولا إلى حسن الجبرتي والد المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي،حرصوا جميعهم على مثل تلك المصاهرات،حتى أن عقد الزواج لأحد أجداده قد ((حرر وسطر بالذهب وعليه لوحة مموهة بالذهب))،وقد كان حسن الجبرتي أكثرهم دقة في اختيار زوجاته،فتزوج من بيت ثروة وسلطة،ليدعم بذلك الثروات التي كان يملكها،لان الثروة لايمكن أن تبقى بيد أصحابها دون تدعيمها بالنفوذ السلطوي الذي يسهل عملية الحفاظ على الثروات من أي طارئ من شأنه أن يذهب تلك الثروات( ).
وقد كان لحسن الجبرتي علاقة وطيدة مع العثمانيين والمماليك،فضلا عن أقرانه من العلماء،و كان لحسن الجبرتي حظوة ومكانة كبيرة عند أقرانه من العلماء،وكانت له هيبة عظيمة،حتى أن بعضهم وصفه بأنه (صاحب أسرار)،وكان ذا شخصية قوية جدا،بحيث فرض على الآخرين احترامه،فقد كان مربوع القامة،ضخم البنية،ابيض اللون ،ذا لحية منورة الشيبة،وواسع العينين،غزير شعر الحاجبين،وجيه الطلعة،يهابه كل من يراه،ويود انه لايصرف نظره عنه( )،فربطته علاقة مع الوالي العثماني احمد باشا المعروف بكور الوزير(1162-1173هـ/ 1749- 1759م)،وبلغ الأمر انه-أي احمد باشا-لما طلب من حسن الجبرتي الحضور وأراد من احد جلسائه أن يبلغه قيل له أنه لابد أن يرسل إرسالية-أي يكتب له شخصيا-لحضوره،لان له مكانة عالية،وكان يلتقي به يومين في الأسبوع( )، فكان حسن الجبرتي هو الذي حفظ سمعة مصر كمركز للعلم في عين احمد باشا الكور،الذي كان لديه نظرة متشائمة عن علم الرياضيات في مصر( )،كذلك تراسل حسن الجبرتي مع السلطان العثماني العالم مصطفى الثالث بن احمد(1171-1187هـ/1757-1773م)الذي كان له اهتمام خاص في الرياضيات والتنجيم( )،كما أرسل له ثلاث كتب من خزانته الخاصة( )،فضلا عن علاقته مع كبار رجالات الحكومة في القسطنطينية(أكابر الدولة بالروم)،و أرسل له حكام(باشوات)تونس والجزائر كتب من مكتباتهم( ).
ولم تكن علاقته مع المماليك بأقل منها مع العثمانيين،فاعتبر شخصا ذا حضوه عند العثمانيين،عندما قرر علي بك الكبير تقديم شكوى ضد حاكم سوريا عثمان بك العظم،واستخدام الشكوى كذريعة للهجوم على سوريا،فطلب من حسن الجبرتي أن يحرر رسالة يرفعها للباب العالي لتأييده،لاعتقاده بأن حسن الجبرتي سيلقى القبول لدى العثمانيين،( )،كما ذهب علي بك إلى ابعد من ذلك حين طلب منه أن يرسل مبعوثين خاصين من قبله ليحملوا رسالته إلى القسطنطينية،فاختار حسن لذلك الغرض(عبد الرحمن العريشي و محمد أفندي البردلي). لعل اختيار حسن الجبرتي للعريشي كان في محله،لأنه شامي،وكان مفتي الحنفية والمتحدث عن رواق الشوام في الجامع الأزهر( )،وكانت له علاقة وطيدة مع عثمان بك ذوالفقار المملوكي(1138-1190هـ/1729-1776م) - الذي أحبه وأجله كثيرا- ورافقه إلى مكة للحج ثلاث مرات،وكتب له رسالة عن مناسك الحج،وقرأ عليه عدد من المصنفات،من ضمنها"مقامات الحريري"( ).
يبدو أن حسن كان عالم كبير،من خلال علاقاته مع كبار علماء عصره،ومن خلال قائمة طلابه،الذين أصبح قسم منهم علماء مشهورين،(لاعتباره فقيه وسط طبقة السلطة)،و ذكر عبد الرحمن الجبرتي(مؤرخنا) أن اثنين من أبناء خال والده كانوا جلساء لعثمان بك ذوالفقار، ( )،لكن حتى في حقل طلب العلم،لم يحصر نفسه في حدود الدراسات الشرعية،فقد عرف لغات غير العربية،إذ أتقن الفارسية والتركية بحيث اعتبره البعض تركيا أو فارسيا لشدة إتقانه للغتين،و أشار عبد الرحمن الجبرتي(مؤرخنا) أن شخص يدعى محمد أفندي بن إسماعيل السكندري المنشئ الكبير في عصره في مصر،ومؤلف كبير في العربية والفارسية والتركية،كان والده يهوديا،اعتاد على زيارة حسن الجبرتي( )،كما درس علم الرياضيات والهندسة والجبر وعلم الفلك( ) وعلوم أخرى،وكانت له خبرة ومقدرة كبيرة في التقويم،وفن الخط والنقش والنحت،وحسب ما ذكر ابنه عبد الرحمن،كانت له آثار معمارية عديدة نصبت في الجامع الأزهر،وجامع الاشرفية،وجامع قوصون،ومشهد الإمام الشافعي،وبلغ من كثرة اشتغاله بالنحت والنقش أن تعلم خدمه تلك الحرفة ( )،فضلا عن معرفته المتقنة لموازين القبان،وكان له العديد من الطلاب من البلدان الأخرى،في العلم والحرف.وان كل هذه الاهتمامات العلمية والعقلية لم تؤثر على حماسه الديني( )،قال عنه شيخ الشيوخ على العدوي(لم نرَ ونسمع من توغل في علم الحكمة والفلسفة وزاد إيمانه إلا هو) ( ).والحقيقة أن سلسلة شيوخ وطلاب حسن الجبرتي يطول ذكرها( ) .
ليس هناك أدنى شك من أن انتمائه للمذهب الحنفي كان من شأنه أن يعمق صلاته مع العثمانيين والمماليك،الذين كانوا على نفس المذهب،إذ أرسل له السلطان مصطفى الثالث كتاب في الفقه الحنفي،(الفقه الحنفي)،وقد تعامل معه كشخص عادي دون رسميات،واظهر له الاحترام،كذلك كانت له سمعة وتأثير في أوساط الحكم في الدولة العثمانية.على الرغم من الدراسات والاهتمامات الواسعة التي عمل فيها حسن،إلا أن التاريخ لايظهر من ضمنها،إذ لايظهر التاريخ بين العلوم الكثيرة التي تلقاها عن شيوخه،ولابين رسائله ومؤلفاته،ولابين وظائفه المتعددة والمختلفة،سوى مكتبته الضخمة،كعدد قليل من العلماء،أو المكتبات الخاصة،فقد امتلك حسن الجبرتي مكتبة ضخمة احتوت على كتب ومصنفات في سائر العلوم،وكانت من بينها كتب نادرة( ).
ومهما يكن من أمر فان حسن الجبرتي قد ترك في ابنه عبد الرحمن أكبر الأثر،في تكوين شخصيته التاريخية والاجتماعية،ولكن الابن يختلف قليلا عن أباه من حيث العلاقة مع السلطة الحاكمة،فقد كان عبد الرحمن الجبرتي بالمنظور الحالي ثوريا،لايرضى بالسلطة التي تظلم الرعية،وينتقدها في كثير من المواضع،على خلاف والده الذي ربطته علاقات وطيدة مع الطبقة الحاكمة،فلم نجد في عجائب الآثار أية إشارة على انتقاد،أو على الأقل،اعتراض على السلطة،ظالمة كانت أم عادلة.فحسن الجبرتي كان عالما ومتحضرا من الطراز الأول،والذي يمكن أن نعتبره من النخبة المثقفة في مصر في القرن الثامن عشر،والذين كانوا قلة( ).
فتربية عبد الرحمن الجبرتي في بيت مثل بيت أبيه لابد وان يؤثر على مجمل وجهة نظره التاريخية،وان تضعه في موقع ممتاز لكتابة التاريخ المعاصر والقريب منه عن بلاده،والمكانة البارزة التي حظيت بها عائلته بين العلماء لقرون عديدة،مكنته من أن يحيط علما بشريحة مهمة من السكان المحليين،والصلات العميقة لوالده مع زعماء المماليك والشخصيات العثمانية في عصره،وفرت له المادة التاريخية عن أرباب الحكم في مصر وعلاقتهم مع السلطة العثمانية،وان سعة أفق والده واشتغاله بمواضيع دنيوية بعيدة عن الدين تماما،لابد وان تكون قد وسعت مجال اهتمامه،لاسيما في أحوال العامة،وهذا ما أغنى ونوع سرده التاريخي،وعلى أية حال،بقي على تزمته الديني مثل البيه،ويتضح ذلك من أمور عديدة،مثل موقفه من الوهابيين والمتشددين المغاربة( ).

- ثانيا: التكوين الفكري والتاريخي والاجتماعي للجبرتي.

يقال إن امتزاج فكرتين مع بعضهما البعض يؤدي إلى ظهور فكرة أفضل من اللتين امتزجتا،وكذلك يقول علماء النبات إن النبات إذا طعم ولقح بنبات غيره أنتج ثمرا أحلى من النباتين؛وكان بالتالي في السوق أكثر طلبا واعلى ثمنا،ففيه طعم الفاكهتين ورائحتهما،ويقول علماء الوراثة والباحثون في الذكاء إن الأسرة أو القبيلة التي يتزوج أفرادها بعضهم البعض الآخر يكون مصير أجيالها الضعف والغباء،وعلى العكس إذا دخل الأسرة دائما دم جديد من أسرة أو أسر جديدة؛جاء النسل أكثر قوة وأذكى عقلا،وبالتالي أصلح للبقاء وأقوى على النضال في الحياة.
كذلك كان عبد الرحمن الجبرتي الذي امتازت شخصيته بالكثير من التناقضات والاستفهامات( )،فالفترة التي انبثق منها الجبرتي في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر،كانت بيئة مقفرة،وامتازت بتدني الكتابة التاريخية في مصر،من اجل إظهار هذا التباين في فترة سلطنة المماليك (1250-1517)،التي تمتاز بوفرة المصادر التاريخية الغنية والدقيقة والمفصلة إلى أقصى حد،والتي لايمكن مضاهاة مصادرها كما ونوعا،فان فترة الحكم العثماني في مصر)1517-1811تقريبا)تمتاز بندرة المصادر التاريخية التي دونها سكان البلاد المعاصرين آنذاك،هذه الحالة كفيلة بحد ذاتها لغموضه،يصبح غامضا في ضوء حقيقة إن أول 70 سنة أو أكثر من الحكم العثماني جد غامضة،فالمختصرات التاريخية لابن أبي السرور البكري والاسحاقي،التي لم تحتوي على أكثر من سرد مختصر للأحداث،يعطي نظرة موجزة عما حدث في مصر في الفترة المذكورة أعلاه،إذا فعملية انتقال مصر من المماليك إلى شكلها العثماني مجهولة،باستثناء السنوات الأولى القليلة(922-928/1517-1522) التي وصفها ابن إياس،والمرحلة المتقدمة حصلت بعد هذا الانتقال،إذ أصبحت الصورة واضحة نوعا ما عن التاريخ والمجتمع المصري،الذي صورته الأعمال التاريخية التي قام بها الكتاب المصريين المحليين ،ويجب أن نربط،على أية حال،أنواع أخرى مهمة من المصادر،مثل الأرشيفات العثمانية،وبأهمية اقل،الرحالة الأوربيين،والتي لاتغني عن المصادر المحلية للمؤرخين( ).
ولعل ابرز سبب في ذلك التدني، تكمن في حقيقة أن مصر كانت إلى وقت الغزو العثماني مركز لأكبر وأعظم إمبراطورية،ثم تحولت إلى مجرد ولاية صغيرة في إمبراطورية كبيرة،فقد احتلت مصر في تموضعها بين أفريقيا واسيا ،وفي سهولة اتصالها بأوربا،مركز القارة القديمة،فهي أرض الفنون ،وهي تحفظ مآثر لاتحصى،وما تزال قائمة معابدها الرئيسية والقصور التي سكنها ملوكها،وقد رحل إليها هومر ، وليكيرغس ،وسولون،وفيثاغورس،وأفلاطون إلى مصر لدراسة علومها وديانتها وقوانينها،وأسس الاسكندر مدينة عامرة بالرفاء والثراء فيها،مدينة تمتعت لزمن طويل بالسيادة التجارية،وشهدت بومبي ويوليوس قيصر ومارك أنتوني وأوغسطس يقررون فيما بينهم مصير روما ومصير العالم كله( ).
والسبب المهم الآخر،هو النقل الجماعي للأعمال التاريخية من القاهرة إلى القسطنطينية،ولا يزال عدد منها هناك،وفي الحقيقة أن مثل هذه الأعمال متوفرة بنسخ معدودة،ويظهر التأثير السلبي عليها من خلال النقل الجماعي،وليس لدينا معلومات حول انتقال مؤرخين من مصر إلى العاصمة العثمانية،فالكتابة التاريخية العثمانية من القرن السادس عشر إلى بدايات القرن التاسع عشر كانت أغنى جدا وعلى مستوى عالي عما هي عليه في الكتابة التاريخية المصرية في الفترة ذاتها( ).
فشخصيته متعددة الجوانب،منها ما هو ديني وعلمي يرزح دوما إلى الدين في تفسير الكثير من الظواهر التاريخية والآنية،وثمة جوانب أخرى تمثلت بالتفاخر والتطلع الحر ،فضلا عن الاستعلائية التي ربما جاءت من موقعه الاجتماعي،هذا فضلا عن الشكية التي امتاز بها خلال منهجه في كتابة عجائب الآثار،فقد سعى دوما إلى التأكد من صحة الأخبار ولا يسلم أبدا بما يحدث دون الاستبصار عن جذور القضية( ).
كما أن في شخصيته ما يظهر تميزه في عصره،فهو ليس مجرد مؤرخ هاوٍ أو سردي ينقل الأخبار دونما نقد وتحليل،فقد قال عنه لين : "الشيخ عبد الرحمن الجبرتي... يستحق بشكل خاص أن يذكر ككاتب ممتاز لتاريخ الأحداث التي جرت في مصر منذ بدء القرن الثاني عشر للهجرة،وقال عنه أيلون أن الجبرتي برز كعملاق بين الأقزام في تاريخ مصر العثمانية،فضلا عن ذلك،فيما يتعلق بتاريخه،أن المؤلفات التاريخية لمؤرخين آخرين،عن تلك الحقبة،كانت محدودة جدا،لأنها كمصادر مساعدة لكتابه،لأنهم اكسبوه أهمية كبيرة،لكن بمقارنة الجبرتي مع مؤرخي مصر العثماني فقط،فيه إجحاف كبير له،لان تاريخه تعدى حدود البلد وتلك الحقبة.وفي رأيي أن الجبرتي،من الأهمية بمكان انه مؤرخ كبير للعالم الإسلامي،لم يسبق له مثيل،وابعد من ذلك انه المؤرخ الأعظم للعالم العربي في العصر الحديث.وقال عنه توينبي: "الجبرتي"Sadالمؤرخ المصري الجليل... باعتقادي انه بلاشك على قائمة المرشحين المصنفين برتبة امتياز كمؤرخين رائدين في المجتمع المدني الحديث.وقد نقل هيورث من الجبرتي بكثافة كبيرة في بحوثه عن الأدب والتعليم في مصر في القرن الثامن عشر.وبوفاته انتهى التاريخ العثماني وبدأ التدوين لتاريخ مصر بمعزل عن الدولة العثمانية،وبدأت القومية تأخذ اتجاهات جديدة.كما ذكره كب في كتابه المجتمع الإسلامي والغرب بوصفه عالما يستحق الثناء والتقدير( ).
ولطالما وجدنا بين طيات يومياته الأفكار التي يظن أنها التي يجب أن يعمل بها لصلاح ينشده،وفضائل يبتغيها،فنقطة انطلاق الإتقان النقدي المحكم هي وعي المرء لما هو حقا،فهو عرف نفسه جيدا،وعرف زمانه وأهله بإتقان،فالبعد الشخصي عنده كان نتاج للعملية التاريخية التي أودعت فيه آثارا لاحصر لها،ولعله أراد أن يودع تجربته الشخصية خلال العملية التاريخية التي نسعى لفهمها من خلال فهمنا للتكوين أو التركيبة الفسيولوجية التي شكلت شخصية عبد الرحمن الجبرتي.
فهناك عدة عوامل ساهمت في هذا التكوين،وستكون موضع بحثنا هنا،منها الأثر الكبير لوالده الشيخ حسن الجبرتي الذي وضعنا له مبحثا خاصا،كما أن الأثر السلالي، نقصد به الأصول التي انحدر منها عبد الرحمن الجبرتي،من بلاد الجبرت في الحبشة،والذي قد لايكون محل ترحيب كبير بين أوساط الباحثين،إلا انه لايمكن أن ينفصل هذا الأثر عن التكوين الطبيعي لشخصيته،وسنسعى إلى طرح بعض الآراء حول الجبرتية من قبل بعض المؤرخين المعاصرين له والذين سبقوه كثيرا،كذلك فان البيئة الاجتماعية التي عاشها الجبرتي آنئذ أثرت في تكوينه من جانبين،الأول بحكم موقع عائلته ومكانتها الرفيعة ماديا ومعنويا،الأمر الذي ترك أثرا كبيرا في شخصيته، ومن جانب آخر كان الأثر المعرفي والعلمي في هذه العائلة ووالده على الخصوص قد جعل منه طالب علم منذ صغره( )،وثمة نقطة ارتكاز في هذا الأثر هي مدى التقارب بين عبد الرحمن الجبرتي ووالده،الذي أدى بالتالي أن ينهل الجبرتي الابن الكثير من الجبرتي الأب في الكثير من التفاصيل الحياتية على مستوى العلائق الاجتماعية التي طبعت شخصيته بين الآخرين بطابع الاحترام والتفضيل على من سواه( )،فعلاقات والده المتشعبة والتي ذكرناها بالتفصيل في المبحث الخاص بوالده،وسنتحدث عن أثرها في هذا المبحث أيضا.
كذلك لدينا إشارات تكاد تكون ضعيفة لكن ربما يمكن اعتمادها،وهي علاقته مع النصارى،والقبط منهم على التحديد،والتي ربما كان لها أثرا ليس يسيرا في التكوين الفسيولوجي لشخصية الجبرتي في قضية التعامل مع الفرنسيين،كقوله عنهم:"القوم الذين يحكمون العقل ولا يتدينون بدين"،وهذه ربما تكون إشارة إلى أن الجبرتي نظر إلى العثمانيين والمماليك،بوصفهم مسلمين،ولكنهم مجردين من تلك الصفة،وان الإسلام على عهدهم لم يعد ذا أهمية،فهم مع كونهم مسلمين إلا أنهم لايتحرجون في التجاوز على الدين وأتباعه،وربما هي إشارة إلى علمانية الجبرتي،ولا نستطيع أن نؤكد هذا الأمر بدرجة كبيرة من اليقين ،لانقول باعتبارهم مخلصين أو مصلحين،وإنما على اقل تقدير،التعامل معهم-أي الفرنسيين- وفق التصورات المبتناة في شخصية الجبرتي من خلال تعامله مع النصارى المحليين-الأقباط بوجه الخصوص-.أي انه قد فقه النصارى جيدا،ولذلك تعامل معهم وفق تصوراته الخاصة( ).
بالرغم من أن الجبرتي مسلم،وهذا مما لاشك فيه،إلا انه تربطه علاقة حميمة مع النصارى،لاسيما القبط منهم،وهذا راجع إلى كونه من أصول حبشية،فهو من إقليم الجبرت جنوب شرقي البحر الأحمر،وكانت كنيسة الحبشة تابعة لكنيسة الإسكندرية حتى القرن العشرين،وعلى ذلك كانت العلائق متينة،وتعظيم الجبرتي للحبشة مبالغ به إلى حد بعيد،فقد أفرد صفحات طوال في كتابه عجائب الآثار في ذكر فضلهم،والكتب التي صنفت فيهم،ويشار إلى أن معرفة الجبرتي بالتاريخ الإسلامي محدودة،ولم تربطه مع مؤرخين مسلمين مشهورين علاقات متينة.ومن الأمور التي يشار إليها في علاقة الجبرتي مع نصارى القبط،انه قد ترجم لجرجس الجوهري أحد أعلام القبط في مصر،ووصفه بصفات كثيرة،ورأينا في كتابه عجائب الآثار،الكثير من التفاصيل عن الأقباط،لاسيما من الأصول الحبشية( ).
وثمة عنصر آخر لايقل أهمية عما سبق،فقد شهد ثلاثة أنظمة هي:المماليك والفرنسيين والعثمانيين،والتي تبلورت خلالها الصورية المدمجة التي كونت شخصيته فكريا.ولان مجال البحث هو الجبرتي والفرنسيين لذلك سنترك مبحثا خاصا عن اثر الفرنسيين في تكوينه الفكري،ومدى ترابط العلائق التي كونها الجبرتي في مخيلته عن الفرنسيين،ولعلنا سنفهم الفرنسيين من خلاله،وهذا ما سيقودنا إلى "رؤية خاصة" نستطيع من خلالها فهم العلاقة بين الشرق والغرب في فترة الاضطراب التي عاشها الجبرتي( ).


-الفصل الأول:
- المبحث الثاني:دراسة في تاريخ تأليف عجائب الآثار ومظهر التقديس:
- أولا:متى كتب عجائب الآثار:
لايمكن فهم العملية التاريخية التي انبثق منها تفكير الجبرتي السياسي والاجتماعي؛إلا من خلال معرفة متى وكيف كتب الجبرتي كتابه"عجائب الآثار"،فمن خلاله سنعرف الكثير من الحقائق التي ربما تقودنا إلى الكثير من التفاصيل التي تكاد تكون مهملة في كتابه العجائب،فهو قد خرج بتأريخ لفترة مهمة من تاريخ العرب عموما والمصريين بالأخص،ولعل هذه الفترة المضطربة التي تعددت عنها الآراء والأقاويل التي امتازت بالسطحية و التي لم تتعدى توظيف الأدلة في غير محلها.
إن محاولتنا هنا هي –ليس فقط-الكشف عن المكنونات الفكرية للجبرتي فحسب،بل أيضا معرفة سمات الغرب الذي تغلغل في رحم العرب ليلد لنا الاستعمار بجميع أشكاله،ولنكشف أيضا عن مدى مسؤولية العرب أنفسهم في إعطاء المبررات لهم،وهل أن رؤية العرب للغرب،أو العكس، آنئذ لم تتغير عنه الان؟وان تغيرت؛ فما هي الصورة التي آلت إليها هذه الرؤية؟وهل بإمكاننا أن نتعرف على مواطن الخلل التي أدت إلى ذلك التغلغل الذي تعددت أشكاله.
وسنورد بعض الآراء حول الفترة التي كتب فيها الجبرتي كتابه"العجائب"، ومن ثم نناقشها لنثبت الخطأ منها أو الصواب:
الرأي الأول:أن الجبرتي كتب المجلدات الثلاثة الأولى من عجائب الآثار بشكل نهائي خلال عام(1220هـ،وبدايات 1221هـ/1805-1806م)،أما المجلد الرابع فانه قد كتب في الفترة التي غطاها هذا المجلد،أي فترة محمد علي،وان الجبرتي كانت لديه نية في مواصلة الكتابة حتى بعد المجلد الرابع،وهذا-أي مواصلة الكتابة-يستشف من ملاحظته في آخر المجلد الرابع"وأما حادثة الاروام التي هي باقية إلى الآن وما وقع منهم من الإفساد وقطع الطريق على المسافرين واستيلائهم على كل ما صادفوه من مراكب المسلمين وخروجهم عن الذمة وعصيانهم وما وقع معهم من الوقائع وما سينتهي حالهم إليه فسيتلى عليك إن شاء الله تعالى بكماله في الجزء الآتي بعد ذلك والله الموفق للصواب واليه المرجع والمآب"( )،وان كتابه الآخر وهو"مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس"قد كتبه في نهاية (1216هـ/نهاية 1801/أو بداية 1802م)( ).
أما الرأي الثاني فقد ذهب فيه د.محمد أنيس إلى ابعد من ذلك،فيقول إن تفكير الجبرتي في كتابة التاريخ لم يكن من دافع شخصي،وإنما نتيجة لتكليف الشيخ محمد خليل المرادي الحسيني مفتي دمشق(ت 1206هـ)( )،للشيخ محمد مرتضى الزبيدي( )،لمساعدته سنة 1200هـ بجمع تراجم أعلام المائة الثانية عشر* ،والذي كلف بدوره تلميذه الجبرتي ليساعده في كتابة في هذا العمل،ومن ثم بدأ الجبرتي كتابته للتاريخ بجمعه لتراجم أعيان القرن الثاني عشر،ولما مات الزبيدي في سنة 1205هـ ،أرسل الشيخ المرادي مكتوبا للجبرتي لتكليفه مباشرة بتولي جمع التراجم،وكان الجبرتي قبل ذلك قد توقف عن الكتابة لوفاة أستاذه الزبيدي،لكن خطاب المرادي قد أعطاه الدافع لمواصلة الكتابة،ومن ثم فترت همته مرة أخرى لوفاة المرادي،فانقطع عن الكتابة بعد سنة 1206هـ ، إلى أن عاد إليها بشكل جديد،وهو المذكرات اليومية( )،وهنا مرت العملية التاريخية للكتابة عند الجبرتي حسب رأي د. محمد أنيس في أربع مراحل:الأولى انه بدا بكتابة مشاهداته اليومية ومذكراته منذ دخول الفرنسيين مصر أي منذ 1213هـ ،وانه كتب تاريخ مصر تحت الاحتلال الفرنسي من( 1213هـ - 1216هـ )،وهو كتاب (مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس)،وأما المرحلة الثانية:جمعه للتراجم التي كان قد كلف بها من قبل أستاذه الزبيدي ومن بعده المرادي،واخرج منها الجزئين الأول والثاني من كتابه عجائب الآثار،ثم عدل في مظهر التقديس واخرج منه الجزء الثالث من عجائب الآثار مع إضافة حوادث سنة 1216هـ و 1220هـ( )،ففي مخطوطة (كتاب مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس)الموجودة في المجمع العلمي العراقي،كتب على صفحة الغلاف فيها:وكان الشيخ الجبرتي أحد علماء الديوان الذي نصبوه الفرنسيس في مصر ،فهو رجل ماهر في علوم الأدب وعلم الفلك والميقات،فحيثما كان يعاشر علماء الفرنسيس وقت قيامهم خاف على نفسه من بعد ذهابهم وألف هذا الكتاب ليبرى ذمته وليظهر محبته إلى الدولة العالية)( )،وهذا ما يؤكد القول بان الجبرتي قد جعل كتابته للعجائب بشكل سري، و كتب مظهر التقديس قبل وصول العثمانيين إلى مصر،أي في بدايات المباحثات العثمانية الفرنسية في شأن خروج الفرنسيين من مصر وتسليمها للعثمانيين،أي بدايات (1216هـ/1801)،ولان الجبرتي قد أدرك ما يمكن أن يفعله العثمانيون به لو أنهم ظفروا به،أي أنه جعل من مظهر التقديس غطاء على كتابه العجائب،تنظر صفحة غلاف مخطوطة مظهر التقديس التي كتب عليها التعليق.،ثم أخذ يدون مذكراته للجزء الرابع الذي يشمل تاريخ مصر من سنة 1221هـ حتى سنة 1236هـ( ).ويؤيده في ذلك المستشرق الانكليزي هولت الذي ذهب مذهب د.محمد أنيس في ذلك.( )
ونستخلص من الرأيين انفي الذكر أن الجبرتي من جهة لم يكن لديه تفكير تاريخي،وإنما كانت عملية مساعدة انتدبه لها شيخه ومن ثم تحول الانتداب من شيخ شيخه إليه مباشرة،وان هذه العملية حسب رأيهم هي الدافع الحقيقي لدخول الجبرتي إلى مضمار التاريخ،ومن جهة أخرى أن عملية التأريخ للحملة الفرنسية هي بمثابة مذكرات يومية لاتخرج عن الخواطر التي كان يسجلها الجبرتي،والتي خرج حسب رأيهم منها بكتابه "مظهر التقديس"،وأما كتاب العجائب،فهو تحصيل حاصل إلى نهاية مجلده الثالث،فقد عدل بمظهر التقديس وخرج بالمجلد الثالث من العجائب،ومن ثم بدأ بكتابة أحداث الفترة 1221-1236هـ.بمعنى آخر أن كتاب العجائب وما تضمنه من أحداث وكتاب مظهر التقديس،لايتعديان الإخبار الصحفي.
و الحقيقة أن ما ورد آنفا لانستطيع أن نسلم به بعد القراءة المتأنية التي قمنا بها لكتابي الجبرتي(العجائب ومظهر التقديس)،فالكثير من الحوادث التي أرخ لها الجبرتي في العجائب بعد الدخول الثاني للعثمانيين تشير بما لايدع مجالا للشك ما سنثبته الآن،فلو قلنا أن الجبرتي قد كتب مظهر التقديس قبل العجائب،ومن ثم قام بتعديل مظهر التقديس وأخرج منه الجزء الثالث من العجائب،فإذا صح القول بان الكل يؤخذ من الجزء فقد يصح ذلك.
إذا قلنا أن مظهر التقديس يبدأ من (1213-1216هـ/1798-1801م)،أي من دخول الفرنسيين مصر حتى خروجهم منها ودخول العثمانيين بقيادة الوزير يوسف باشا.فإذا قارناه بالكتاب الثاني وهو عجائب الآثار،نجد أن الكثير من اليوميات التي كتبها الجبرتي في مظهر التقديس مقتضبة أي حذف منها بعض العبارات ،وأخرى مفصلة تفضيلا دقيقا في العجائب،ومن خلال المقارنة الإحصائية التي أجراها محقق كتاب مظهر التقديس نجد الآتي:
1. يتكون مظهر التقديس من 683 يومية تؤرخ للفترة من بداية الاحتلال في المحرم 1213هـ/،وحتى نهاية شعبان 1216هـ/ وفي نفس هذه الفترة الزمنية دون الجبرتي 778 يومية في عجائب الآثار بفارق 95 يومية بين الكتابين.إذ يتكون الجزء الرابع من عجائب الآثار من تاريخ 1213-1221هـ،أي أن الأصل هو عجائب الآثار،واليوميات المعدلة أخذت من العجائب وأخرجها بمظهر التقديس.بينما استمر بكتابة عجائب الآثار.
2. توجد 101 يومية وردت في عجائب الآثار ولم ترد في مظهر التقديس،منها 55 يومية خاصة بمشاغبات الجنود الأتراك ونهبهم الأسواق والمحلات ،وكذلك تتناول الغرامات والضرائب التي فرضت بعد عودة العثمانيين ومنها 4 يوميات خاصة بإنشاءات الفرنسيين وأعمالهم العلمية،ومنها 6 يوميات ذات صلة بموقف الجبرتي من الفرنسيين أو العثمانيين،ويومية واحدة خاصة بتجنيد الأقباط في الجيش الفرنسي ،وباقي اليوميات وعددها 16 يومية متنوعة في موضوعات لا علاقة بالفرنسيين أو العثمانيين بها،ومنها 19 يومية تراجم لأشخاص مختلفين،ويبدو أن الجبرتي لم يرد ذكرهم في مظهر التقديس لان الكتاب ليس لتراجم الأشخاص،وإنما هو كتاب موجه للعثمانيين( ).
فقد حرص الجبرتي في مظهر التقديس على إيصال فكرة إلى العثمانيين بأنه لم يتعاون مع الفرنسيين ولم يرض بوجودهم،وإنما رفضهم،ويظهر ذلك من الشتائم الكثيرة التي وجهها للفرنسيين،وفي الحقيقة أن الجبرتي مع كونه شتم الفرنسيين إلا أن النفس الذي امتاز به في عجائب الاثار ظل موجودا ولكن بصورة مبطنة،لانه لم يستطع تحمل عودة العثمانيين بنظامهم الذي اعتبره غير عادل كنظام الفرنسيين،ويلاحظ بالمقارنة بين مظهر التقديس وعجائب الاثار أن الجبرتي لايشير الى العثمانيين في مظهر التقديس الا بقوله((المسلمين))،بينما يطلق عليهم في عجائب الاثار ((العسكر))أو العثمانية،وفي مظهر التقديس لايذكر اسم قائد من القادة الفرنسيين الا مصحوبا بوصف معين كقوله:برطلمين الكافر،اللعين الكافر،اللعين كفرلي،والتعيس بونابرته،والملعون ديبوي،والملاعين الكفار،ولكنه يحذف كل هذه الأوصاف في عجائب الاثار( )
3. يوجد بمظهر التقديس 7 يوميات ومعظمها خاص بمدح الجبرتي للوزير العثماني يوسف باشا وبعض كتابات الشيخ حسن العطار.ويبدو هنا أن الجبرتي عندما استل من العجائب تلك اليوميات التي عدلها،قد أضاف ما من شأنه أن يمتدح العثمانيين،فضلا عن اعتماده على أشعار الشيخ حسن العطار الذي نظن بان اختياره ليكون الرفيق الشعري في مظهر التقديس ربما له قضية حاولنا البحث عنها ولاجدوى.وربما يكون استخدام الجبرتي لحسن العطار في كتابه مظهر التقديس عائد إلى أمرين،الأول أن العطار كان لديه قبول عند العثمانيين،وبالتالي ستكون كتابات الجبرتي أكثر قبولا لأنه متضمن أشعار وروايات نقلها العطار،والثاني أن العطار،كانت لديه حضوه عند محمد علي،فهو الذي رشح رفاعة الطهطاوي ليرسل إلى فرنسا، فضلا عن رحلاته الطويلة في بلاد الشام،وذكر المستشرق الانكليزي لين(LANE) الذي التقي به في سنة 1825م ، انه كتب تقريظا للعطار،وقال انه كتبه إجابة لرغبته لأنه علم أن لين سيكتب كتابا عن مصر وأهلها،ولذلك طلب منه أن يشير إلى معرفته به،وان يذكر رأيه به( ).
4. يوجد في مظهر التقديس 59 يومية وردت في عجائب الآثار مختصرة أو محذوف منها فقرات،وهي الفقرات الخاصة بمدح الوزير ورجال دولته،أو المبالغة في الهجوم على الفرنسيين دون مبرر.والحقيقة أن هذه الفقرات ليست مختصرة أو محذوفة وإنما هي الصورة الأولى لما كتبه الجبرتي،ثم عاد وعدلها في مظهر التقديس.
5. يوجد بمظهر التقديس 67 يومية وردت في عجائب الآثار مفصلة ومضاف إليها فقرات،وهي الفقرات الخاصة بإنشاءات الفرنسيين وعلومهم وقوانينهم ومسرحهم ومكتبتهم-المعهد العلمي-وبعضها خاص بأفاعيل الجند العثماني وقبيح خصالهم وأخلاقهم.وفي حقيقة الأمر أن هذه اليوميات كما ذكرنا في النقطة السابقة تدعم رأينا في أن الجبرتي كتب العجائب قبل مظهر التقديس،لأنه في احد يومياته وهي زيارته للمعهد العلمي الذي أنشأه الفرنسيين والذي وصفه وصفا دقيقا( )،فهل يعني أن الجبرتي كتب مارآه مختصرا في مظهر التقديس ثم كتبه مفصلا في عجائب الآثار.
6. يوجد في مظهر التقديس 92 يومية تم تعديلها عما كانت عليه في عجائب الآثار،لكي تبدو أكثر حيدة وموضوعية،فحذفت منها الشتائم الموجهة للعثمانيين،ومنها تبديل"الوزير"بكلمة"الصدر الأعظم"،و"العثمنلية"بـ "الدولة العلية"،كما استبدل عبارات وصف الفرنسيين "مثل الكافر واللعين والخبيث"وغير ذلك.ولعل هذا ما يؤكد الرأي الذي ذهب إليه د.أيلون حين يقول أن الجبرتي عندما كتب مظهر التقديس أراد بذلك التملق للعثمانيين( ).
7. يوجد بمظهر التقديس 184 يومية متطابقة تماما مع عجائب الآثار،حيث نقلت بالنص،كما توجد 276 يومية متشابهة بين الكتابين مع اختلاف بسيط في كتابة بعض الكلمات التي لاتؤثر على المعنى العام لليومية،ولعل ذلك حرصا من الجبرتي على أن يظهر مظهر التقديس بشكل يجعل منه كتابا حقيقا.
8. والخلاصة،فإن الجبرتي كتب 785 يومية للتأريخ للفترة المشار إليها وبيانها كالآتي:101 يومية موجودة في عجائب الآثار وغير موجودة في مظهر التقديس و6 يومية موجودة في مظهر التقديس وغير موجودة في عجائب الآثار ومجموعها 107 يوميات بنسبة 13.63%،و218 يومية تناولها الجبرتي بالاختصار والإضافة وتعديل الصياغة بنسبة 27.77%،ومجموع المعدل والمحذوف تماما 325 يومية بنسبة 41.40%،وهناك 184 يومية متطابقة في الكتابين،و276 يومية متشابهة بمجموع 460 يومية وبنسبة 58.60%،وعلى ذلك فان المتشابه في الكتابين يزيد عن النصف قليلا والمختلف والمعدل والمحذوف يقل عن النصف قليلا.
ونتيجة طبيعية لما سبق نقول أن الجبرتي لما كلف من قبل أستاذه الزبيدي لمساعدته في جمع تراجم أعيان القرن الثاني عشر،لم يكن ذلك في حقيقة الأمر هو الباعث الحقيقي لدخول الجبرتي العملية التاريخية،لأنه لم يكن يعلم الغرض الحقيقي لكتابة هذه التراجم،وإنما علم ذلك بعد وفاة أستاذه الزبيدي ومن ثم تكليفه مباشرة من قبل المرادي،فالجبرتي هنا قام بدراسة لهذه التراجم فقال عنها أن المرادي أهمل من يستحق أن يترجم من كبار العلماء والأعاظم ونحوهم( )،وهذا يعني أن الجبرتي لديه حس تاريخي،وان لم يكن الجبرتي لديه الخبرة في العملية التاريخية لما كلف بمثل هذا الأمر( ).
إن مسألة تحديد الباعث الحقيقي لكتابة التاريخ عند الجبرتي من الصعوبة بمكان إذا ما اعتبرنا أن الفترة التي انبثق منها الجبرتي في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر،كانت بيئة مقفرة،وامتازت بتدني الكتابة التاريخية في مصر،ولعل ابرز سبب في ذلك التدني، تكمن في حقيقة أن مصر كانت إلى وقت الغزو العثماني مركز لأكبر وأعظم إمبراطورية،ثم تحولت إلى مجرد ولاية صغيرة في إمبراطورية كبيرة،والسبب المهم الآخر،هو النقل الجماعي للأعمال التاريخية من القاهرة إلى القسطنطينية،ولا يزال عدد منها هناك،وفي الحقيقة أن مثل هذه الأعمال متوفرة بنسخ معدودة،ويظهر التأثير السلبي عليها من خلال النقل الجماعي،وليس لدينا معلومات حول انتقال مؤرخين من مصر إلى العاصمة العثمانية،فالكتابة التاريخية العثمانية من القرن السادس عشر إلى بدايات القرن التاسع عشر كانت أغنى جدا وعلى مستوى عالي عما هي عليه في الكتابة التاريخية المصرية في الفترة ذاتها( ).
وثمة مسألة أخرى هي أن الجبرتي بعد أن توقف عن الكتابة لان الأصحاب الحقيقيين الذين كلفوه قد ماتوا،وتوقف في سنة 1206هـ،ثم عاد إلى الكتابة في 1213هـ أي عند دخول الفرنسيين مصر،وهذا هو الباعث الحقيقي لدخول الجبرتي العملية التاريخية، وهي كما يقول الجبرتي(باعث من نفسي)،أي أن هذا الباعث هو دخول الفرنسيين مصر،وليس كما يقول د.محمد أنيس من أن الباعث النفسي ظهر في سنة 1220هـ/1805م،لأنه أراد تغيير موقفه من الأحداث التي مرت بها مصر منذ احتلال الفرنسيين لها( )، فموقفه من الفرنسيين قد ثبته منذ أول يوم دخلوا فيه،أما عن مسألة أن الجبرتي كان يكتب من خلال مواقف شخصية تتغير بحسب الحالة النفسية للجبرتي( )،،لأنه هنا تعامل مع نظام غير الأنظمة التي كان يألفها من مماليك وعثمانيين.
وبالتالي عندما أنهى الجبرتي تأريخه للفرنسيين منذ 1213-1216هـ/1798-1801م،وكذلك فترة العثمانيين 1216هـ/1236هـ/1801-1821م.أراد أن يضمن كتابه عجائب الآثار بما كان قد جمعه من تراجم،ليخرج كتابه على الصورة التي أراد،لأنه يقول انه لما عزم على جمع ما كان سوده من معلومات أراد أن يوصله بشيء قبله( ) ولم يكن ذلك الشيء سوى التراجم التي كان قد جمعها.كما يقول في مقدمة عجائب الآثار انه قد دون الحوادث التي جرت فيما بين أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر،الذي كان يعيش أيامه وحوادثه( )،أي أنه هنا يؤكد انه بدا بكتابة عجائب الآثار قبل مظهر التقديس.
أما فيما يخص مظهر التقديس فان الجبرتي لما عمل لدى الفرنسيين،فضلا عن الصفات التي ذكرها عنهم،وخشيته من جانب آخر مما يمكن أن يلحقه من العثمانيين الذين وصفهم بأوباش العساكر الذين يدعون الإسلام ويزعمون أنهم مجاهدون( )،ثم أنهم العثمانيين قد قتلوا ابنة الشيخ البكري( )،كان لابد للجبرتي أن يخشى على نفسه مما يمكن أن يطاله من العثمانيين،ولذلك خرج بكتابه"مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس"الذي أهداه للوزير يوسف باشا،وقد لخصه على وفق ما من شأنه أن يذهب بالخطر عنه.ولعل ما يؤكد ذلك هي مخطوطة "ضيا نامة" للدارندلي باللغة التركية،التي كتبها فيما بين 1801-1805م،بتكليف من الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا،والتي اقتبس فيها بشكل كبير من كتاب مظهر التقديس للجبرتي( ).
ولعل ذلك يؤكد أن الجبرتي أراد من مظهر التقديس أن يكون بمثابة حائل بينه وبين العثمانيين،ليستطيع إتمام عجائب الآثار،فيوهم العثمانيين انه لم يكتب سوى مظهر التقديس،بينما العمل مستمر في عجائب الآثار.وهذا يعكس أيضا الصورة التي كان عليها واقع الجبرتي،إذ لم يكن من دافع لمثل هذا العمل سوى الخوف والحذر الشديدين ، وان الجبرتي كان مدرك لما يمكن أن يطاله لو أن كتابه عجائب الآثار وقع بيد العثمانيين لأنه أدرك أن العثمانيين سيضربون بيد من حديد كل من تعامل مع الفرنسيين.فكيف سيتعاملون مع شخص كتب مآثر الفرنسيين وذم العثمانيين.
ثم أن الجبرتي فيما بعد أي بعد 1236هـ/1821م،بدأ بإخراج كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار في صورته النهائية،فحسب ما يورد جرجي زيدان في تاريخ الآداب العربية انه وقع على نسخة من عجائب الآثار في مكتبة محمد بك آصف بمصر جاء في آخرها انه تم تبييضها سنة 1237 وعلى هامشها ما نصه بخط واضح: " بلغ مقابلة وقراءة على مؤلفه من أوله إلى آخره في يوم السبت المبارك 14 ربيع الأول سنة 1240هـ/1824م بمرأى ومسمع من مؤلفه متع الله الوجود بطول حياته ولا أحرمنا والمسلمين من صالح دعواته وعدد بركاته انه سميع قريب مجيب. رقمه بيده الفائية احمد بن حسن الرشيدي الشافعي الشهير بصوبع" ( ).وهذا يعني أن الجبرتي لم يعد صياغة عجائب الآثار وإنما أراد أن يتأكد قبل موته بتمام ما كتبه،ولتأكيد رأيه فيما كتب.

ثانيا- أصدقاء الجبرتي وأثرهم في شخصية وكتابات الجبرتي.
نجح نابليون في كسب رأي النخبة في مصر وهم العلماء، وأصبح الرأي العام المصري آنئذ ينظر إلى نابليون بأنه المخلص الذي جاء لإنقاذ المسلمين من الظلم والاضطهاد الذي مورس بحقهم،ولم يكن الجبرتي هو العالم المصري الوحيد الذي اتصل بالفرنسيين،بل اتصل بهم شخصيتين لهما وزن الجبرتي،وهما(إسماعيل الخشاب،وحسن العطار)،ولعلهما يحملان الخصائص ذاتها في قضية الاستغراب،ورؤية الآخر الفرنسي،ولكن ربما يكونان اقل من الجبرتي فهما للآخر،وهما في الوقت ذاته من الأصدقاء المقربين للجبرتي،وجاء إدراجنا لهما بحكم تلك الصلة الوثيقة بالجبرتي.
-أولا:إسماعيل الخشاب:
إسماعيل بن سعد بن إسماعيل الوهبي الخشاب الشافعي،الذي توفي في 2ذي الحجة 1230هـ/5 تشرين الثاني 1815م( )،كان أبوه نجارا،الذي تحول فيما بعد إلى مالك مخزن للخشب،كان إسماعيل يكسب قوته اليومي كشاهد في المحكمة العليا في القاهرة،وانتظم بقراءة كتب الأدب والتصوف والتاريخ،وكتب الشعر راقيا( )،بسبب معرفته الواسعة وشخصيته المحبوبة والمقبولة بين شخصيات بارزة من الأمراء والكتاب والتجار الذين كانوا يراهنون على رفقته،مثل مصطفى بك المحمدي أمير الحج،وحسن أفندي العربية،والشيخ السادات،فضلا عن شخصيات بارزة أخرى( ).
عندما أسس الفرنسيون الديوان للإشراف على شؤون المسلمين،عين الخشاب لكتابة يوميات ومحاضر الديوان،كما يقول الجبرتيSad(تعين المترجم في كتابة التاريخ لحوادث الديوان وما يقع فيه من ذلك اليوم)( )،لان الفرنسيين،كالجبرتي،أولوا عناية كبيرة بتسجيل الحوادث اليومية في الديوان والمؤسسات الحكومية،كذلك كانوا يطبعون الأنباء ويوزعونها بنسخ عديدة،وإرسالها إلى جميع أفراد الجيش،حتى في المناطق النائية( ).
وعلى المستوى الشخصي كان للخشاب صلات مع أفراد في الجيش الفرنسي،فذكر له الجبرتي شعرا قاله في رجلين منهم،أحدهما اسمه:ريج أحد علماء الحملة،والثاني من رؤساء كتابهم من العارفين ببعض العلوم العربية؛يقول الجبرتي"ولما وردت الفرنساوية لمصر اتفق أن علق شابا من رؤساء كتابهم ،كان جميل الصورة لطيف الطبع عالما ببعض العلوم العربية،مائلا إلى اكتساب النكات الأدبية،فصيح اللسان بالعربي،يحفظ كثيرا من الشعر،فلتلك المجانسة م
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khatab38.forumslog.com
 
الحملة الفرنسية على مصر من خلال المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي(دراسة استشراقية)عمر البوجمال بن جاسم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الوادي  :: ابحاثومقالات علمية وتربوية-
انتقل الى: