الوادي

الحياة خبر كويس وآخر سيء
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
سبتمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 
اليوميةاليومية
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث

شاطر | 
 

  الحملة الفرنسية على مصر من خلال المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي(دراسة استشراقية)عمر البوجمال بن جاسم2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد خطاب
Admin


عدد المساهمات : 148
نقاط : 441
تاريخ التسجيل : 21/07/2009

مُساهمةموضوع: الحملة الفرنسية على مصر من خلال المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي(دراسة استشراقية)عمر البوجمال بن جاسم2   الخميس أبريل 26, 2012 4:26 am




الفصل الثاني:الجبرتي والفرنسيين:دراسة في رؤية الجبرتي للفرنسيين:
- المبحث الأول: الجبرتي والوهلة الأولى للحملة الفرنسية.
إن أول ما يمكن الحديث عنه في ما يمكن أن نسميه-التلامس النظري والعملي- بين الجبرتي والفرنسيين،هو ذلك النص الذي وضعه الجبرتي في تأريخه للحملة الفرنسية سنة 1213هـ/1798م،والذي يستشرف فيه ما ستؤول-أو آلت-إليه الأحداث القادمة،ويعطي تفسيراً مجملا،يترك من خلاله الفهم لطبيعة الظروف التي أدت إلى مثل هذه الحوادث الجسيمة،والوقائع النازلة.
فيقولSad( وهي-أي سنة 1213هـ/1798م- أول سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة والوقائع النازلة والنوازل الهائلة وتضاعف الشرور وترادف الأمور وتوالي المحن واختلال الزمن وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع وتتابع الأهوال واختلاف الأحوال وفساد التدبير وحصول التدمير وعموم الخراب وتواتر الأسباب((وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ))( ).
فإذا ما قمنا بتفكيك النص ،وزرعنا الشك في قصدية الجبرتي؛لوجدنا ما يأتي:
أولاًSad( وهي أول سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة والوقائع النازلة والنوازل الهائلة)).
فهو بهذا الوصف يعطينا صورة واضحة وجلية،من خلال استشرافه ومشاهداته،فضلا عن وعيه التام بمجريات الأحداث السابقة،ونحن لانريد أن نحمل النص فوق طاقته،سوى أن في هذه الزاوية من النص تعبير-بكثير من العمق والغموض-أن ما قصده الجبرتي-ليس فقط-ما تحمله من معنى سيء أو ساذج،وإنما هي أساس استند عليه فكره ووعيه التاريخي والاجتماعي،الذي رأى من خلاله الحوادث،على حد سواء.
فوضع المسألة-أي هذا النص-في نطاق واحد يخالف الواقع التاريخي بقدر ما يخالف جدل العلاقة بين الظاهرات الفكرية والظاهرات الاجتماعية ،وهو منطق له صفته الموضوعية ،التي لايمكن أن يلغيها إغفال الباحثين لها أو عدم رؤيتهم إياها،على أن العجيب في الأمر هنا أن بعض هؤلاء الباحثين أنفسهم( )قد وضعوا أمامنا في بحوثهم فيما يتعلق برؤية الجبرتي للفرنسيين أو تأريخه للحملة ذاتها،مادة جيدة لرؤية تلك العلاقة،ولكنهم وضعوها بصفتها مادة تاريخية وحسب،دون أن يستخدموها في شيء من التحليل العلمي،الذي يرجع المسألة إلى جذورها الحقيقية في واقع المجتمع الذي ظهرت فيه بأشكالها الخاصة.
ثانياًSad( وتضاعف الشرور وترادف الأمور وتوالي المحن واختلال الزمن وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع وتتابع الأهوال واختلاف الأحوال)).
في هذه الزاوية من النص ، يستخدم الجبرتي مدلولات لغوية،تنبعث منها المأساة التي عاشها المصريون مع حكامهم(المماليك-الفرنسيين-العثمانيين)،إذ اختار ثلاثة ألفاض تدل على الاستمرارية في الحدوث والزيادة عليها في قوله في ثلاثة مواضع(تضاعف،ترادف،توالي)،أي إن الشر أو المحن لم تكن وليدة فترة دخول الفرنسيين ،وإنما هي عملية تراكمية مبتناة(ENSAMBLE)،ولكنها لم تتحول إلى هجوم وجهي(HEAD-ON-ATTACK) إلا حين رأى الجبرتي أن هؤلاء-أي الأمراء المماليك-بكل ما كانوا يحملونه من تغطرس يتساقطون كالرسوم الورقية،حين لم يقدروا أن يحركوا ساكنا عندما وصل الفرنسيين،واكتفوا بالجلوس وانتظار القدر،فيقولSad(وأما الأمراء فلم يهتموا بشيء من ذلك-أي الاستعداد للمعركة-ولم يكترثوا به اعتماداً على قوتهم وزعمهم أنه إذا جاءت الإفرنج لايقفون في مقابلتهم،وأنهم يدوسونهم بخيولهم))( ).
وان كان الجبرتي يلوم المماليك هنا،فانه بطبيعة الحال يتعقلن الفرنسيين-على أن هذا لايعني بحال من الأحوال أن الجبرتي يحابي الفرنسيين-الذين((اشتاقت أنفسهم لاستخلاص مصر مما هي فيه،وإراحة أهلها من تغلب هذه الدولة-المماليك-المفعمة جهلاً وغباوة ،فقدموا و حصل لهم النصرة ،ومع ذلك لم يتعرضوا لأحد من الناس ،ولم يعاملوا الناس بقسوة،وان غرضهم تنظيم أمور مصر))( )، قلت-أي الجبرتي-Sad(ولم يعجبني في هذا التركيب إلا قوله المفعمة جهلا وغباوة بعد قوله اشتاقت أنفسهم،ومنها قوله بعد ذلك:ومع ذلك لم يتعرضوا لأحد إلى آخر العبارة))( ).
ثم أن الجبرتي بعد ما رأى من المماليك الذين يدعون الاسلام ،والعثمانيين((اوباش العساكر الذين يدعون الاسلام،ويزعمون انهم مجاهدون،وقتلهم الانفس وتجاريهم على هدم البنية الانسانية،بمجرد شهواتهم الحيوانية))( )،وما رآه من الفرنسيين((هؤلاء الطائفة الذين يحكمون العقل ،ولا يتدينون بدين)).( ) عقد مقارنة تاريخانية لم يكن الدين أساسها إطلاقا،إنما أقامها على أساس-العدل-(( فرأس المملكة وأركانها، وثبات أحوال الامة وبنيانها العدل والإنصاف، سواء كانت الدولة إسلامية اوغير إسلامية، فهما أس كل مملكة وبنيان كل سعادة ومكرمة فان الله تعالى أمر بالعدل ولم تكتف به حتى أضاف إليه الإحسان فقال تعالى((إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)) لان بالعدل ثبات الأشياء ودوامها وبالجور والظلم خرابها وزوالها فان الطباع البشرية مجبولة على حب الانتصاف من الخصوم وعدم الإنصاف لهم والظلم والجور كامن في النفوس لا يظهر الا بالقدرة كما قيل:
والظلم من شيم النفوس فان تجد ذا عفة فلعله لا يظلم
فلولا قانون السياسة وميزان العدالة لم يقدر مصل على صلاته ،ولا عالم على نشر علمه، ولا تاجر على سفره))( ).
ولايسهل قبول الرأي الذي يذهب إلى أن الجبرتي حين خرج إلى الحاضر الراهن له ،لم يحاول أن يصيغ التاريخ في لحظة الوعي بسياق حضاري مغاير ( ) أو أن الدعاية الفرنسية في مصر استطاعت خداع عالم كبير مثل الجبرتي ( )،لان الجبرتي كان يعاين الوقائع على أساس من المقارنة التاريخية- المشبعة بالتجارب القائمة على الوعي والإدراك التام بمجريات الأحداث.
على أية حال فان الإجابة على الأسئلة التي طرحها الدكتور مصطفى عبد الغني( )وهي(كيف أخطأ عالم الدين=المثقف،في فهم التحولات التاريخية،وكيف أخطأ في فهم سبب مجيء هؤلاء الغربيين-الفرنسيين)،وكذلك الأسئلة التي طرحها عيسى عبد الرزاق( ) والتي لم تخرج عن أسئلة مصطفى عبد الغني.تحتاج إلى الدراسة المتعمقة التي ربما تسبر غور مخيلة الجبرتي وتحديد الرؤية الحقيقية للأحداث آنذاك.
ثالثاSad( الأحوال وفساد التدبير وحصول التدمير وعموم الخراب وتواتر الأسباب(( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)).
إن هذا النص يكاد يختزل الكثير من التفاصيل التي أرخ لها الجبرتي،ولم يخرج عن نطاق المقارنة التاريخية التي يعقدها بين المماليك والفرنسيين والعثمانيين،فعندما يتكلم عن سوء تدبير المماليك،يتكلم عن حسن خطط الفرنسيين العسكرية وتجهيزهم الحربي،فعن فساد تدبير الأمراء المماليك حين وصلت الأخبار بان الفرنسيين قرب وصولهمSad( ثم في كل يوم تكثر الإشاعة بقرب الفرنسيس إلى مصر وتختلف الناس في الجهة التي يقصدون المجيء منها فمنهم من يقول أنهم واصلون من البر الغربي ومنهم من يقول بل يأتون من الشرقي ومنهم من يقول بل يأتون من الجهتين هذا وليس لأحد من أمراء العساكر همة أن يبعث جاسوسا أو طليعة تناوشهم بالقتال قبل دخولهم وقربهم ووصولهم إلى فناء المصر بل كل من إبراهيم بك ومراد بك جمع عسكره ومكث مكانه لا ينتقل عنه ينتظر ما يفعل بهم وليس ثم قلعة ولا حصن ولا معقل، وهذا من سوء التدبير و إهمال أمر العدو))( ).
وبينما كان الأمراء والجند المماليك حريصون على حياتهم،وتنعمهم ورفاهيتهم،مختالون في ريشهم،مغترون بجمعهم،محتقرون شأن عدوهم ،كان الفرنسيين قد فاجؤهم بخطتهم الحربية المحكمة فلم يأتوا إلا من البر الغربي ،ببنادقهم المتتابعة الرمي.( )وليس العثمانيين بأحسن من أقرانهم المماليك،فالجبرتي يورد نصاً ملؤه البشاعة التي يرتكبها إنسان،فكيف بالمسلم ( ).
ولا تنتهي المقارنات أبدا عند الجبرتي فسوء التدبير كان من نتيجته أن يعم الخراب والتدمير في البلاد((وكانت ليلة وصباحها في غاية الشناعة،جرى فيها مالم يتفق مثله في مصر،ولاسمعنا بما شابه بعضه في تواريخ المتقدمين،فما راء كمن سمعَ)).( )
ثم أن الاختيار الدقيق للاية((وماكان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون))،تعطينا الصورة الجلية التي رسمها الجبرتي في مخيلته عن المجتمع المصري وأرباب الحكم(المماليك،العثمانيين)،والفرنسيين على حد سواء،لما تحمله هذه الآية من دلالات صريحة لاتحتاج لتبيانها.فالرؤية الكامنة في مخيلة الجبرتي لم تخرج عن –العملية التاريخية-التي مرت بمراحلها الثلاث(مماليك-فرنسيين-عثمانيين).
وكنتيجة طبيعية لكل ما مضى فان النص الذي افتتح به الجبرتي سنة(سقوط حكم المماليك)يكاد يختزل في أعماقه -إن لم نبالغ- "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" الذي يحمل الكثير من الأحداث والشواهد التي كان الجبرتي نفسه ينظر إليها من خلال (عينين)الأولى تنظر إلى الفرنسيين وما قاموا به،والثانية تعود إلى الوراء لتستذكر ماكان قائم قبلهم،ثم يقوم بمزج الحاضر بالماضي،ليخرج بخليط حضاري،يمتزج مع أمور طارئة حينا،ومتراكمة في مخيلته حينا آخر،لتعبر بالتالي عن أمله بحصول العدل والإحسان الذي اعتبره أساس الملك.وبالضرورة فان "العدل" عنده كان يساوي الان "الحرية" بأبهى صورها.



- الفصل الثاني:
- المبحث الثاني:الفرنسيون من خلال الجبرتي.
- أولا:السياسة وعدالة التمثيل السياسي.

كان المجتمع في مصر قبل الحملة الفرنسية،منظما وفقا للمبدأ التقليدي المتمثل في الفصل بين نخبة حاكمة،أجنبية الأصول،ومحكومين أهليين،وقد احتكرت المؤسسة المسيطرة الوظائف السياسية والعسكرية،أما الرعية فكان شأنها الانكباب على النشاطات الاقتصادية،الزراعية والحرفية والتجارية،وكان رجال الدين والمعرفة(العلماء) يشكلون نوعا من الجسر بين العنصرين الأساسيين للمجتمع( ).
وكان بالإمكان تقريبا إهمال ذكر الباشا العثماني الذي لم يلعب غير دور تمثيلي وكان،اعتبارا من عام 1791،شبه غائب عن المسرح السياسي،لو لم يكن هذا الشخص ممثلا لحكومة الباب العالي وللسلطان اللذين ظلت مراعاة السكان واحترامهم لهما عميقة،حتى بعد تجربة عام 1786 المخيبة للآمال،عندما أرسل الباب العالي حملة عسكرية لإعادة مصر إلى الطاعة ،بعدما سأمت الحكومة من خروج مراد وإبراهيم على طاعتها( )،ولا جدال في أنه كان هناك ولاء عثماني وثقة في قوة وفي عدل الباب العالي لم تؤدِ النكسات العسكرية التي كان قد تكبدها منذ قرن إلى زعزعتها بشكل أساسي،وبالرغم من أن الروابط بين مصر والباب العالي كانت منذ ذلك الحين رخوة وبالرغم من أن الباشا كان بلا حول ولا قوة ،إلا انه كان رمز انتماء مصر إلى الدولة العثمانية( ).على أن السلطة قد مورست في القاهرة من جانب الارستقراطية المملوكية التي هيمن عليها،منذ علي بك الكبير ،وفي هذه الارستقراطية،استمر المماليك ذوي الأصول القوقازية في لعب الدور المسيطر( ).
لم يصل الفرنسيين إلى مصر في عام 1798 كفاتحين عاديين،فقد اعتبروا أنفسهم حاملين لرسالة تحريرية للمصريين،الذين سوف ترد إليهم حقوقهم التي صادرها المماليك لزمن طويل جدا،ولرسالة عالمية تمزج مُثل الجمهورية الفرنسية بمُثل الإسلام،ولكي ينجح مشروع بونابرت،لم يكن يكفي إخضاع مصر،إذ كان يجب إغراؤها،والحال انه قد انكب على ذلك،من بين أمور أخرى،منذ نزوله إلى الإسكندرية ووصوله القاهرة( ).
ويشير نابليون إلى ذلك صراحة ،حين رأى أن ثمة ثلاثة حواجز في وجه السيطرة الفرنسية في الشرق،وأن أية قوة فرنسية لابد أن تحارب ،لذلك،ثلاثة حروب: الأولى ضد انكلترا،والثانية ضد الباب العالي العثماني،والثالثة،وهي أكثرها صعوبة،ضد المسلمين،وحين أصبح لنابليون واضحا لنابليون أن القوة التي يقودها لم تكن كبيرة بحيث تستطيع أن تفرض نفسها على المصريين،حاول أن يجعل الأئمة ،والقضاة ،ورجال الإفتاء ، والعلماء،يؤولون القرآن بما يخدم مصلحة الجيش العظيم،وتحقيقا لهذا الغرض،دعي أساتذة الأزهر العلماء الستون إلى مجلسه،واستقبلوا استقبالا عسكريا رسميا،ثم منحوا فرصة أن يتمتعوا بإطراء نابليون وإعجابه بالإسلام وبمحمد،وبإجلاله الواضح للقرآن،الذي بدا على إلفة تامة به،وقد نجحت خطة نابليون،وسرعان ما بدا سكان القاهرة وكأنهم فقدوا ريبتهم بالمحتلين.
ومن ثم بعد دخول الفرنسيين القاهرة،لم تعد في القاهرة سلطة:لاباشا ولا مماليك،والمشايخ الأكثر تمثيلا كانوا هم أنفسهم قد رحلوا،ويعبر الجبرتي عن هذه الحالة بقوله:" وفي يوم الاثنين وردت الأخبار بان الفرنسيس وصلوا إلى دمنهور ورشيد وخرج معظم أهل تلك البلاد على وجوههم فذهبوا إلى فوة نواحيها والبعض طلب الأمان وأقام ببلده وهم العقلاء"( )،ولما كان خطاب نابليون قد تضمن إعطاء المشايخ واعيان البلد تولي المسؤولية،"بعونه تعالى من اليوم فصاعدا لايستثنى احد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية وعن اكتساب المراتب العالية فالعقلا والفضلا والعلما بينهم سيدبروا الأمور وبذلك يصلح حال الأمة كلها"( )،فقد اجتمعت مجموعة من أهل العلم في الأزهر لمناقشة الوضع ولتدارس المستقبل،والحال ان العلماء وحدهم هم الذين كان بوسعهم لعب دور الوساطة بين الغازي والسكان المصريين،سعيا إلى تجنيب العاصمة ما هو أسوأ( ).
وفي 8 صفر 1213هـ/22 يوليو 1798م ،أرسل العلماء رسالة إلى نابليون ليستفهموا منه ما ينوي فعله،فكان جواب نابليون" وأين عظماؤكم ومشايخكم لم تأخروا عن الحضور الينا لنرتب لهم ما يكون فيه الراحة وطمنهم وبش في وجوههم فقالوا نريد أمانا منكم... أنتم المشايخ الكبار فاعلموه أن المشايخ الكبار خافوا وهربوا فقال لأي شيء يهربون اكتبوا لهم بالحضور ونعمل لكم ديوانا لأجل راحتكم وراحة الرعية"( ).
نجح نابليون في كسب رأي النخبة في مصر وهم العلماء،الذين أصدروا فتوى لجيشه بجواز عدم الختان لجنده،والسماح لهم بشرب الخمر،بعد أن طلبوا منه أن يكون قائد الجيش الذي سيدافع عن بيضة الإسلام،وأصبح الرأي العام المصري آنئذ ينظر إلى نابليون بأنه المخلص الذي جاء لإنقاذ المسلمين من الظلم والاضطهاد الذي مورس بحقهم،وأشار نابليون إلى أن الشائعات بدأت تنتشر بان نابليون رأى النبي محمد في منامه،الذي أوصاه بان يدافع عن المسلمين إذا دخل هو جيشه الإسلام،وبدأت النخبة بمراسلة شريف مكة آنئذ،فكتبوا في (18 ربيع الثاني 1213هـ/29 سبتمبر 1798م)،ذكروا فيها أن نابليون وجيشه قصدهم إخراج البلاد مما هي فيه من الفساد والخراب،وان شريف مكة لايجب أن يقلق على مصر من جيش نابليون،لأنه جيش مسلم.والحقيقة أن هذا الأمر من الخطورة بمكان،إذ كيف استطاع نابليون أن يكسب ود-أو على الأقل تفهم-نخبة العلماء،ووضعهم في صفه،وبالتالي قد أنهى بذلك العقبة الأكثر خطورة،وهي "الرأي العام المصري"،فهو في نظرهم قد أصبح مسلما،وهذا يقودنا إلى أن الغرب استطاع أن يفهم الشرق وان يعرف المكنونان التي يمكن أن يدخل من خلالها إلى العقل العربي الإسلامي،ويقودنا إلى أن العرب المسلمين،لم يفهموا الغرب كفهمه لهم،وإنما اعتمدوا على حسن الطوية في التعامل،جراء الظروف التي مروا بها،ويقودنا إلى التساؤل في هل كان لنخبة العلماء دور في "تجذير الإستشراق"،وإذا كانت الإجابة نعم،فربما يجب أن نعيد حساباتنا في قضية مهمة هي"مدى مسؤولية العلماء المسلمين في التأصيل الغربي في الشرق"،ومهما يكن من أمر،فقد كان موقف عبد الرحمن الجبرتي،وهو الوحيد في تلك الفترة الذي استطاع فهم الغرب ممثلا بالفرنسيين،بصورة مختلفة تماما( ).
لقد قدر نابليون حق قدره الأثر الذي سيتركه هذا الحدث على العلاقات بين أوربا،والشرق ،وأفريقيا،وعلى الملاحة في البحر المتوسط،وعلى مصير آسيا،وأراد نابليون أن يقدم مثلا أوربيا نافعا للشرق،وأن يجعل حياة السكان،في نهاية المطاف،أكثر سعادة،وأن يستحضر إليهم أيضا جميع المزايا الكامنة في حضارة وصلت إلى درجة الكمال،ولم يكن ممكنا تحقيق شيء من هذا كله دون التطبيق المستمر على المشروع للآداب والعلوم( )،أن ينقذ إقليما من بربريته الحاضرة،ويعيده إلى عظمته الكلاسيكية السابقة،أن يلقن الشرق لمصلحته هو طرائق الغرب الحديث،أن يحل القوة العسكرية محلا أدنى،أو يقلل من أهمية دورها تعظيما لمشروع المعرفة الممجدة التي اكتُسِبَت أثناء عملية السيطرة السياسية على الشرق،أن يصوغ الشرق،يعطيه شكلا،وهوية،وتحديدا يصحبه اعتراف كامل بمكانه في الذاكرة،وبأهميته بالنسبة للإستراتيجية الإمبراطورية،وبدوره الطبيعي من حيث هو ملحق لأوربا،أن يجل المعرفة المجمعة خلال الاحتلال الاستعماري ويشرفها بتسميتها ((إسهاما في نمو المعرفة الحديثة))،في حين لم يكن السكان الأصليون قد استشيروا أو عوملوا إلا بوصفهم ذريعة لخلق نص لاتعود الفائدة منه على السكان الأصليين،أن يشعر المرء بنفسه أوربيا في مركز القيادة،كيف شاء تقريبا،للتاريخ الشرقي،والزمن الشرقي،والجغرافية الشرقية،أن يؤسس مجالات جديدة للتخصص،وان ينشئ فروعا جديدة للمعرفة،أن يقسم،ويوزع ويجدول،ويصنف مؤشرات،ويسجل كل ما تتناوله الرؤيا وما لاتتناوله،أن يشكل كل جزئية تلاحظ تعميما،ومن كل تعميم قانونا لايتغير للطبيعة الشرقية،والمزاج الشرقي والعقلية الشرقية،والنمط الشرقي( ).
إن شكل الحكم الذي ينتظره الجبرتي،كان الديوان الذي أنشأه نابليون يعطي الجبرتي،الصورة الأكمل،للحرية التي ينتظرها،فالديوان هو الساحة التي يتداول فيها أهل الحل والعقد أحوال الرعية والبلد،ويحق فيه إبداء الرأي دون الخوف من الإقصاء أو القتل،ولايتحكم احد فيه ولا يستولي على السلطة بمفرده،وإنما تتم فيه المشاورات،ولا يفرض عليهم شخص وإنما ينتخب باستفتاء يجريه أعضاء الديوان( ).
لقد مر الجبرتي في صراع داخلي كانت أطرافه ،المماليك والعثمانيين،وما قاموا به،وخصائصهم وشؤونهم من جهة،والفرنسيين المتمثلين بالعقل والحكمة والعدل،من جهة أخرى،ولم يكن ليخفى على الجبرتي أن الفرنسيين غير مسلمين،وحتى الجنرال مينو الذي أعلن إسلامه وبدل اسمه إلى عبد الله جاك مينو،لم يخفى على الجبرتي انه إجراء يهدف إلى إخفاء الهدف الحقيقي( )،وحتى قضية سليمان الحلبي ومحاكمته،لم يكن الجبرتي ليعلن فيها انه قد رضي كل الرضا عما جرى،ولكن أدرك في مخيلته ومن خلال تتبعه لطبيعة النظام القائم في فرنسا والذي طبق في مصر( )،انه ربما يصلح هذا النظام على المصريين،ويكون بديلا للنظام الذي اتبعه المماليك والعثمانيين،ذلك النظام الذي لم يرضَ عنه الجبرتي قط،مع كون الحاكمين مسلمين،ولكن قد يكون الصراع الفكري الذي عانى منه الجبرتي هو هل أن الإسلام هو الشكل الأمثل للحكم العادل،فالفرنسيين قد احتكموا للعقل ولادين لهم( ).
لقد راهن نابليون على هذه الحاسّة فخاطب الشعب المصريّ بظلم المماليك، وانتبه الجبرتي إلى انقلاب محاور التاريخ؛ فكتب الجبرتي في تاريخه مأخوذاً بالإجراءات القانونية لمحاكمة (سليمان الحلبي) كما أتى في وصف المؤرخ البريطاني (توينبي) الجبرتي كان يتمتع بحس حضاري ـ فلم يخلب لب الجبرتي فرقعات النيران والألعاب بل المرافعات القانونية،إذاً الذي خلب لبّ الجبرتي هو دولة الحقّ والقانون التي حاول نابليون تعميمها، والتي تستند على المعرفة والعلم والتمدن وليس نيران مدافع نابليون وبسالة جنوده( ).
وقد أشار الجبرتي إلى ذلك بصراحة، فانه بطبيعة الحال يتعقلن الفرنسيين-على أن هذا لايعني بحال من الأحوال أن الجبرتي يحابي الفرنسيين-الذين((اشتاقت أنفسهم لاستخلاص مصر مما هي فيه،وإراحة أهلها من تغلب هذه الدولة-المماليك-المفعمة جهلاً وغباوة ،فقدموا و حصل لهم النصرة ،ومع ذلك لم يتعرضوا لأحد من الناس ،ولم يعاملوا الناس بقسوة،وان غرضهم تنظيم أمور مصر))( )، قلت-أي الجبرتي-Sad(ولم يعجبني في هذا التركيب إلا قوله المفعمة جهلا وغباوة بعد قوله اشتاقت أنفسهم،ومنها قوله بعد ذلك:ومع ذلك لم يتعرضوا لأحد إلى آخر العبارة))( ).
مع ذلك كان الجبرتي مقتنعا بالدور البارز الذي يتعين على العلماء لعبه كناصحين لذوي النفوذ والسلطة،لكن مفهومه الارستقراطي للمجتمع قد جعله يحتقر العامة ويزدري الجماهير وحركاتها،وقوة ذهنه النقدي،والذي ألهمه تصورا قليل التأييد من جانب زملائه عن الفئة الحاكمة المغلقة على نفسها،لامراء في أنهما قد أبعداه عن الانخراط في الحياة السياسية قبل عام 1798،مع انه كان آنذاك قد وصل إلى النضج والرشاد،وبما أنه قد بدأ في كتابة تاريخه لمصر،فلابد أنه قد أغراه أن يروي الأحداث الاستثنائية التي كان بلده مسرحا لها،وع اقتناعه بتفوق الإسلام وعداوته بالطبع لأيدلوجية ولعادات الغزاة،إلا انه كان يتميز بذهنية منفتحة وحرة بما يكفي لتقدير بعض التجديدات التي جاء بها الفرنسيون،ولهذا الغزو روايتين متعاقبتين حيث تظهر بينهما اختلافات مهمة في تقديم الإحداث،إلا انه في كلا العملين،كانت النظرة العامة واحدة:ليس بالإمكان عمل شيء في الساحة ضد محتل متفوق من الناحية العسكرية،ومن ثم فان التمردات محكوم عليها بالفشل وليس من شأنها سوى مفاقمة شقاء البلد،وفي نظام الفرنسيين السياسي والإداري ،وفي تقنياتهم،توجد عناصر يمكن أن تكون محل تفكير مفيد( ).
ومع أن فضوله كمؤرخ وضرورة حصوله على المعلومات المفيدة لابد أنهما قد قاداه إلى رصد الفرنسيين عن قرب،إلا انه لم يكن هناك ما يلزم الجبرتي بالتعاون معهم،وهو لم يكن عضوا في الديوانين الأولين،ولا حتى في ديوان الستين،ودخوله ديوان مينو يدعو إلى الحيرة،لان الجبرتي لم يكرر،بعد عام 1801 ،هذه التجربة الخاصة بالمشاركة في الحياة السياسية الايجابية،وسوف يظل معارضا حازما لمحمد علي،ويبدو أن حضوره كان متصلا،ولكن مشاركته كانت قليلة النشاط،ففي السجل المحفوظ للجلسات الأخيرة،والتي نقلها الجبرتي في كتابه عجائب الآثار،لم يتكلم سوى مرة واحدة( )،إلا انه قام بالطبع بالاستماع وبالتسجيل وبجمع الوثائق بفضل صديقه الخشاب دون شك،وربما توجب الاكتفاء بتصور أن الجبرتي قد قرر اغتنام الفرصة التي أتيحت له،في ظروف نجهلها،لكي يرى عن قرب سير عمل مؤسسة أقامها الفرنسيون،دون أن تدخل هذه المشاركة تعديلا على حرية النظر النقدية التي ألقاها المؤرخ عن تلك الفترة المضطربة وعلى لاعبي الأدوار في الدراما الجارية( ).
وكانت فلسفة الجبرتي للتاريخ أنّ الرجال العظام من أمثال نابليون أو سواه هم الذين "يحقّقون العقل في التاريخ وينجزون التقدم البشري ويقفزون بالمجتمع خطوات إلى الأمام. إنهم عملاء للتاريخ أو وكلاء له. بمعنى أنهم مكلّفون بأداء مهمة تتجاوزهم وتتخطّى أشخاصهم. إنهم مجرّد أداة للتاريخ يحقّق من خلالهم مآربه".فقد حاول نابليون أن يدغدغ مشاعر المسلمين في خطابه،فكانت فاتحة عهده مع المصريين "بسم الله الرحمن الرحيم لا اله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه"( ).
وحتى مع النظام العلماني الذي أراده نابليون لمصر،لم يكن الجبرتي أكثر من مراقب للحدث،ولكنه يستبطن التصورات التي كونها عن الفرنسيين،فيتأنى في وصف ذكرى الثورة الفرنسية التي أجراها جنود الحملة في القاهرة،في (11 سبتمبر 1798م)( )،فالفرنسيين قد تباحثوا في من سيمثل الشعب في الديوان،ولم يفرض عليهم أحد وإنما ترك لهم الوقت الكافي لاختيار ممثليهم( ).
لقد راهن الجبرتي على أن الشعب يجب أن يتطلع إلى التغيير،ويجب أن يفهموا التغيير الحاصل،فقد جاء الفرنسيون وأثروا فيها بخيرهم وشرهم،وكان من نتيجة ذلك أن تغيرت نظرة المصريين إلى الحياة،وأخذوا يفهمون بعض المعاني الجديدة،كمعنى الحرية الشخصية ومعنى المساواة،ومعنى الشعب وحقوق الشعب،ونظام الحكم،،يورد الجبرتي نصا يقارن فيه بين العثمانيين والفرنسيين في مسألة جباية الضرائب،فيقول:" مع أن الفرنساوية لما استقر أمرهم بمصر ونظروا في الأموال الميرية والخراج فوجدوا ولاة الأمور يقبضون سنة معجلة ونظروا في الدفاتر القديمة واطلعوا على العوائد السالفة ورأوا ذلك كان يقبض أثلاثا مع المراعاة في ري الأراضي وعدمه فاختاروا والأصلح في أسباب العمار وقالوا ليس من الإنصاف المطالبة بالخراج قبل الزراعة بسنة وأهملوا وتركوا سنة خمس عشرة فلم يطالبوا الملتزمين بالأموال الميرية ولا الفلاحين بالخراج فتنفست الفلاحون وراج حالهم وتراجعت أرواحهم مع عدم تكليفهم كثرة المغارم والكلف وحق طرق المعينين ونحو ذلك"( ).
ولم يعد المصريون حسب رأي الجبرتي يتحملون النظام الذي يمارسه العثمانيين الذي يقوم على الفوضى والفساد،:" انظر إلى عقول هؤلاء المغفلين يظنون أنهم استقروا بمصر ويتزوجوا ويتأهلوا مع أن جميع ما تقدم من حوادث الفرنسيس وغيرها أهون من الورطة التي نحن فيها الآن"( ).
وحتى النساء كان لهن نصيب من حرية الفرنسيين،فقد انتبه الجبرتي إلى الفرنسيين،لما دخلوا القاهرة ومعهم نسائهم:" لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات الصبوغة ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقا عنيفا مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية معهم وحرافيش العامة"( ).وليس معنى ذلك أن الجبرتي يحض على التبرج والسفور،وإنما ذلك يعني أن المجتمع المصري قد دخل مرحلة تحولات لايمكن أن يعود عنها،أو أن يرضى بغيرها حلا لمشكلاته.تلك القضية التي راهن عليها الغرب،وهي"الفراغ الاجتماعي والسياسي"في المجتمعات العربية الإسلامية.


ثانيا:الحضارة والعلم .بين الإستشراق الفرنسي واستغراب الجبرتي.
لان مصر كانت مفعمة بالدلالات والمعنى بالنسبة للفنون،والعلوم،والسياسة والحكم،فقد كان دورها أن تكون المسرح الذي تدور عليه الأحداث ذات الأهمية التاريخية العالمية، وبالاستيلاء على مصر،فان القوة الحديثة كانت تجلو شدة بأسها وتُسَوِّغ التاريخ؛وكان قدر مصر ذاتها أن تلحق بأمة أخرى،يفضل أن تكون أوربا،وفضلا عن ذلك،فان القوة الحديثة ستدخل أيضا تاريخا حددت العنصر المشترك فيه شخصيات في عظمة هوميروس،والاسكندر، وقيصر، وأفلاطون ، وفيثاغورس الذين باركوا الشرق بوجودهم،ماضيا،فيه،وبإيجاز،فقد وُجد الشرق من حيث هو طقم من القيم مرتبط لا بحقائقه الحديثة،بل بسلسلة من التماسات المثبتة التي كانت قد تمت بينه وبين ماض أوربي قصي( ).
لقد فهم الجبرتي احتواء نابليون الاستشراقي الصرف لمصر،باستخدام أدوات المعرفة التي امتلكها وورثها عن أبيه،فيبدي الانفتاح حين يتحدث عن الأدوات التي جاء بها الفرنسيون،ففي حديثه عن أعمال التحصين التي جرى الاضطلاع بها بعد تمرد القاهرة الأول،يذكر،بإعجاب واضح،ظهور النقالة واستخدام أدوات جيدة النوعيةSad(يستعينون في الأشغال وسرعة العمل بالآلات القريبة المأخذ،السهلة التناول،المساعدة في العمل وقلة الكلفة،كانوا يجعلون بدل الغلقان والقصاع عربات صغيرة ويداها ممتدتان من خلف يملؤها الفاعل ترابا أو طينا أو أحجارا من مقدمها بسهولة بحيث تسع مقدار خمسة غلقان ثم يقبض بيديه على خشبتيها المذكورتين ويدفعها أمامه فتجرى على عجلتها بأدنى مساعدة إلى محل العمل فيمليها بإحدى يديه ويفرغ ما فيها من غير تعب ولا مشق وكذلك لهم فؤوس وقزم محكمة الصنعة متقنة الوضع))كما اعتبر الجبرتي أن النظام الذي يسمح لمدفع بأن يضرب فيحدد،كل يوم،وقت الزوال،"شيئا مبتكرا"( ).
لقد حاول الجبرتي أن يفهم تلك العلمية التي حيرت عقله ،وأراد أن يتعقل أصول تلك العلوم ومن أين جاءت،فقد كان يقف مراقبا للأحداث والأعمال التي يقوم بها الفرنسيين،وقد حاول الجبرتي أن يسمو بتفكيره ويتغاضى عن المحتل لاكتشافه،وحاول فهم الثورة الفرنسية بطريقته،وحاول تعلم لغتهم،أن الجبرتي لم يستطع أن يقف في فترة الحملة المبكرة إلا موقف المراقب،الذي ينظر ليكتشف،فالأفكار التي جاء بها الفرنسيون جديدة في مفهومها وتطبيقها،لم يألفها من قبل،وحتى في محاولته لتفسير دوافع ثورة القاهرة الأولى،لم يستطع إلا أن يلوم العلماء ويحملهم المسؤولية في الثورة ضد الآخر الفرنسي الذي إن ثبتت رؤية الجبرتي ربما سيكون المخلص،فقد وصل إلى مرحلة التمييز بعد الأشهر الأولى من الحملة،وفهم فيها الفرنسيين على أكمل وجه( ).
وغالبا ما دار كلام كثير حول الأثر الذي أحدثته على المشايخ عجائب العلم والمؤسسات العلمية التي نظم الفرنسيون زيارات إليها وتوضيحات لها،بحيث لايكاد يكون من الضروري التوقف عند هذا الموضوع،وقد حضر عدد من سكان القاهرة جلسات (المعهد العلمي)،واهتموا بالمناقشات التي دارت فيها،والحال أن الجبرتي قد زار((مرارا))المكتبة ومن الواضح أنه قد تأثر بما شاهده،ويمكننا أن نحكم على ذلك من خلال الوصف الطويل والدقيق الذي قدمه لقاعة الاطلاع وللمؤلفات المحفوظة في خزانات الكتب،وهو يقول عن الكتب التي شاهدها أنها((مما يحير الأفكار))،ويتحدث بالطبع عن كتاب كبير حول سيرة النبي مزين بصورة له رسمت((على قدر مبلغ علمهم واجتهادهم...،وهو قائم على قدميه ناظر إلى السماء كالمرهب للخليقة وبيده اليمنى السيف وفي اليسرى الكتاب حوله الصحابة رضي الله عنهم بأيديهم السيوف)).كما يتحدث عن الترجمات الموجودة لكتب إسلامية،وعن المعاجم اللغوية لأكثر من لغةSad(وعندهم كتب مفردة لأنواع اللغات وتصاريفها واشتقاقاتها بحيث يسهل عليهم نقل ما يريدون من أي لغة كانت إلى لغتهم في أقرب وقت)) ( ).
لقد مثل المعهد العلمي الذي أنشأه نابليون قمة الإستشراق الفرنسي ،وتمثلت فيه الصورة الحقيقية للفهم الفرنسي عن الإسلام المتمثل بالشرق،فالشرق كان يعني بالضرورة(الإسلام)،وسنتكلم عن هذا المعهد وعن رؤية الجبرتي عنه،والتي تمثلت بالرؤية التي مثلت رؤية عالم (شرقي)،لعلوم الغرب وتقنياتهم وأسرارهم العلمية،في زمن انقلبت فيه المقادير في مجال العلوم العربية.
يقول الجبرتي:" فيه جملة كبيرة من كتبهم وعليها خزان ومباشرون يحفظونها ويحضرونها للطلبة ومن يريد المراجعة فيراجعون فيها مرادهم فتجتمع الطلبة منهم كل يوم قبل الظهر بساعتين ويجلسون في فسحة المكان المقابلة لمخازن الكتب على كراسي منصوبة موازية لتختاة عريضة مستطيلة فيطلب من يريد المراجعة ما يشاء منها فيحضرها له الخازن فيتصفحون ويراجعون ويكتبون حتى أسافلهم من العساكر"( ).
يبدو هنا أن الفرنسيين أرادوا أن يؤسسوا مدرسة بجميع محتوياتها،فقد خصصوا مكانا للمطالعة،وجهزوا الكتب الكثيرة التي يقد يحتاجها الباحثون،وفي الحقيقة أن هذا النص يدل على المكتبة الخاصة بالمعهد العلمي،وبمعنى آخر أراد الفرنسيون أن يوفروا كل المراجع والمصادر حول دراساتهم عن الشرق.
ويضيف الجبرتي أن الجيش الفرنسي كله كان يقرأ ولم يتخلف عنه حتى من الجنود الأقل رتبة:"حتى أسافلهم من العساكر"،وهذا ما لفت انتباه الجبرتي،في مقابل الحالة العلمية المدنية التي كان يعانيها المصريون من تخلف واشتغال بالأمور غير العلمية مثل الدجل والشعوذة وغيرها من الأمور"الخسيسة" حسب وصف الجبرتي( )،بينما كان الفرنسيون لديهم الفكرة في أن مصر قد أعيدت إلى عهد من الرفاه والثراء،وجددت حيويتها ونضارتها على يد إدارة متنورة،ستغمر بأشعتها الناشرة للحضارة جميع جيرانها الشرقيين( ).
ثم يتحول المعهد إلى مؤسسة ناشرة للعلم والتنوير بين الشرقيين ،وهذا مما يريح الجبرتي،فالفرنسيين في نظره أصحاب علم ومعرفة:" وإذا حضر إليهم بعض المسلمين ممن يريد الفرجة لا يمنعونه الدخول إلى أعز أماكنهم ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور بمجيئه إليهم وخصوصا أذا رأوا فيه قابلية أو معرفة أو تطلعا للنظر في المعارف بذلوا له مودته ومحبتهم ويحضرون له أنواع الكتب المطبوع والأقاليم والحيوانات والطيور والنباتات وتواريخ القدماء وسير الأمم وقصص الأنبياء بتصاويرهم وآياتهم ومعجزاتهم وحوادث أممهم مما يحير الأفكار"( ).وهذه هي خصائص الإستشراق المندمج بالتبشير المفعم بالنضوج الذي امتلكه الفرنسيون،فلم يمنعوا شخصا من الدخول،لابل أنهم إذا رأوا فيه إمكانيات ومؤهلات سعوا إلى إعطائه العلم-فيما يبدو-دون مقابل سوى حب المعرفة والعلم،وان ما انتبه إليه الجبرتي هنا،هو الطريقة التي يتعامل بها العلماء مع من يرغب بالعلم،فهم في نظره يمثلون العلم وأخلاقه.وهذه هي الرسالة التي يريد الغرب إيصالها إلى الشرقيين،بأنهم دعاة حب وسلام ومعرفة.
ولكن الذي لم يتنبه إليه الجبرتي أن من ابرز مظاهر التمحور لدى المستشرقين،هو تشويه صورة الشرق أو التقليل من فعالية جهده الحضاري،وهي عملية تمهيد لأفكار من شأنها أن تحرف مجرى ذلك الفعل التاريخي ذهنيا للوصول أخيرا إلى أن هذا التحول والتغير إنما يؤول في نهاية المطاف إلى المحور أو القطب الحقيقي والفاعل في حركة التاريخ،إلا وهو الفكر الغربي أو الحضارة الغربية،والى هنا يكون الأمر من باب التعصب والتزمت والتشدد الذي هو آفة العلم( ).
ولعل أخطر ما شاهده الجبرتي هو ذلك الكتاب الذي رسمت فيه صور للرسول وأصحابه والأئمة،والحقيقة أن الجبرتي لم يدرك خطورة مثل تلك الصور فيقول:" من جملة ما رأيته كتاب كبير يشتمل على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومصورون به صورته الشريفة على قدر مبلغ علمهم واجتهادهم وهو قائم على قدميه ناظرا إلى السماء كالمرهب للخليقة وبيده اليمنى السيف وفي اليسرى الكتاب وحوله الصحابة رضي الله عنهم بأيديهم السيوف وفي صفحة أخرى صورة الخلفاء الراشدين وفي الأخرى صورة المعراج والبراق وهو صلى الله عليه وسلم راكب عليه من صخوره بيت المقدس وصورة بيت المقدس والحرم المكي والمدني وكذلك صورة الائمة المهتدين وبقي الخلفاء والسلاطين"( ).
إن هذا النص من الخطورة بمكان انه يصف الإستشراق الفرنسي الذي صور الرسول عليه الصلاة والسلام،بصورة الحامل للسيف،وهذه العبارة لها دلالاتها الخطيرة،منها أن الفرنسيين قد وصفوا الرسول بان صاحب السيف ومعنى ذلك أن القتل من أولويات الإسلام ونبيه،والعجيب في الأمر أن الجبرتي قد وصفه حسب مارآه بأنه" كالمرهب للخليقة وبيده اليمنى السيف"وهو يجتمع معه الصحابة،تلك الصورة الدموية التي مثلت الإسلام في المفهوم الغربي،الذي بنيت عليه اعتبارات خطيرة ومريرة،كان أبرزها الاستعمار الحديث،ولعل الجبرتي لم يدرك خطورة الموقف،ولكنه على اقل تقدير،ساوره الشعور بأنهم يعرفون عن الإسلام الكثير،ولا نعلم لماذا لم يناقشهم الجبرتي في تلك الصورة،أو على الأقل أن يبين لهم عالمية الإسلام الذي لايعتدي على أحد.
وطاف الجبرتي بحجرات المعهد وأروقته،ووقف عند كل مشهد جديد،ولدى كل كتاب طريف،مشدوها مفتوح الفم من الدهشة والعجب،ولم يسعه وهو المؤرخ الثقة إلا أن يثبت وصف ما رأى في تاريخه معلنا دهشته وإعجابه وعجزه،عن فهم هذه الآلات والعدد،فهو قد نشأ بالأزهر وتلقى فيه العلم،والنمط الذي كان يتبعه طلاب العم في مصر وقتذاك ساذج بسيط وان كان متعبا في نفس الوقت،فالطالب يجلس في المسجد،أو في داره،وينحني على كتاب مخطوط كلما أراد أن يقرأ( ).
ثم طاف الجبرتي بالقسم الخاص بعلماء الفلك من المعهد،وشاهد مافيه من الآلات عجيبة وصفها بقوله:" وقت وعند توت الفلكي وتلامذته في مكانهم المختص منها الآلات الفلكية الغريبة المتقنة الصنعة وآلات الارتفاعات البديعة العجيبة التركيب الغالية الثمن المصنوعة من الصفر المموه وهي تركب براريم مصنوعة محكمة كل آلة عدة قطع تركب مع بعضها البعض برباطات وبراريم لطيفة بحيث إذا ركبت صارت آلة كبير أخذت قدرا من الفراغ وفيها نظارات وثقوب ينفذ النظر منها إلى المرئي وإذا انحل تركيبها وضعت في ظرف صغير وكذلك نظارات للنظر في الكواكب وأرصادها ومعرفة مقاديرها واجرامها وارتفاعاتها واتصالاتها ومناظرتها وأنواع المنكابات والساعات التي تسير بثواني الدقائق الغريبة الشكل الغالية الثمن"( )
ترك هذا القسم إلى قسم التصوير فشاهد هناك المصورين يصورون الاشخاص والاشياء جميعا،ووصفه بقوله:" ذلك وأفردوا لجماعة منهم بيت ابراهيم كتخدا السنارى وهم المصورون لكل شيء ومنهم اريجو المصور وهو يصور صور الآدميين تصويرا يظن من يراه انه بارز في الفراغ بجسم يكاد ينطق حتى انه صور صورة المشايخ كل واحد على حدته في دائرة وكذلك غيرهم من الأعيان وعلقوا ذلك في بعض مجالس صارى عسكر وآخر في مكان آخر يصور الحيوانات والحشرات وآخر يصور الأسماك والحيتان بأنواعها وأسمائها"( ).
ثم عرج بعد ذلك على قسم الكيمياء والطب فوصفه بقوله:" وسكن الحكيم رويا ببيت ذي الفقار كتخدا بجوار ذلك ووضع آلاته ومساحقه وأهوانه في ناحية وركب له تنانير وكوانين لتقطير المياه والادهان واستخراج الأملاح وقدورا عظيمة وبرامات وجعل له مكانا أسفل وأعلى وأمامها رفوف عليها القدور المملوءة بالتراكيب والمعاجين والزجاجات المتنوعة وفيها كذلك عدة من الأطباء والجرايحية وأفردوا مكانا في بيت حسن كاشف جركس لصناعة الحكمة والطب الكيماوي وبنوا فيه تنانير مهندمة وآلات تقاطير عجيبة الوضع والات تصاعيد الأرواح وتقاطير المياه وخلاصات المفردات وأملاح الارمدة المستخرجة من الأعشاب والنباتات واستخراج المياه الجلاءة والحلالة وحول المكان الداخل قوارير وأوان من الزجاج البلوري المختلف الأشكال والهيئات على الرفوف والسدلات وبداخلها أنواع المستخرجات"( )
وقد تعمدنا نقل هذه النصوص الطويلة عن وصف الجبرتي لأقسام المعهد العلمي،لنبين العملية التاريخية التي بلورت تفكير الجبرتي الإستغرابي بعد زيارته لهذا المعهد،والذي ترك أثرا كبيرا في نفس الجبرتي وفي كتاباته،فبدأ يتفحص دائما ما يقوم به الفرنسيون من علوم واختراعات وابتكارات يفتقر لها المجتمع الذي عاشه،وقد برر الفارق بين عقلية الشرق وعقلية الغرب في قوله:" فيه أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا يسعها عقول أمثالنا"( ).
إن نصرا كالذي حققه نابليون لم يكن يمكن أن يعد إلا قبل حملة عسكرية وربما لم يكن قادرا على إعداده سوى إنسان لم تكن له خبرة سابقة بالشرق سوى ما أنبأته به الكتب والباحثون،وإن فكرة اصطحاب مجمع علمي(أكاديمية)كامل هي إلى حد بعيد جانب من جوانب الموقف من الشرق،وقد غذى هذا الموقف بدوره عن طريق مراسيم ثورية معينة(خصوصا مرسوم العاشر من شهر جرمنال السنة الثالثة-الثلاثين من آذار عام 1793-القاضي بتأسيس المدرسة الأهلية في المكتبة الوطنية،لتدريس العربية،والتركية،والفارسية( ).
كان غرضها غرضا عقلانيا هو تعرية حتى أكثر أنماط المعرفة إبهاما من سريتها وتحويلها إلى معرفة رسمية مؤسَّسة،وهكذا كان عدد كبير من مترجمي نابليون تلاميذ سلفستر دوساسي الذي كان بدءا من حزيران 1796،المدرس الأول والأوحد للعربية في المدرسة الأهلية للغات الشرقية،وأصبح ساسي،فيما بعد،تقريبا معلم كل مستشرق بارز في أوربا حيث سيطر تلاميذه على هذا الحقل ما يقارب ثلاثة أرباع القرن،وكان كثيرون منهم نافعين سياسيا،بالطرق التي كان بها عدد آخر نافعا لنابليون في مصر( ).


خاتــــمة

وددت لو أني لم اكتب للبحث خاتمة ،ولكن،لامناص من ذلك،لان هذا الموضوع لايمكن أن يؤطر،مهما سعينا،على أية حال،فإننا من خلال فترة القراءة في موضوع الجبرتي والفرنسيين،والتي كلفت بها من قبل الدكتور ناصر عبد الرزاق الملا جاسم،وجدت مواضيع ومسائل شائكة فيما يتعلق بالأنا والآخر،فلايمكن وصف الصورة الحقيقية للآخر،إذا لم نتمثله تمثيلا لايؤدي بنا إلى الانقياد والتقليد الأعمى،وحقيقة أن العلاقة الجدلية بين الأنا والآخر قائمة على جملة أمور اكتشفناها-أو على الأقل حاولنا اكتشافها- من خلال دراستنا وقراءتنا عن محور الدراسة:وهي كالأتي:
1. أن العربي،الذي يمثل الأنا،لم يستطع في فترات متعاقبة من الزمن أن ينظر إلى الآخر-غير المسلم أو غير العربي- بمنظار يقوده لاكتناه ذلك الآخر،وإنما مع الأنا المرتفعة لديه،لاينجح في جدلية العلاقة إلا أن يكون في نهاية المطاف تابعا أو مقلدا للآخر الغربي.
2. أن نظرة الآخر-الغربي-إلى الأنا-العربي-تميزت بكونها اعتمدت على موروث نصي،ومعرفي تراكمي،سخره الآخر-الغربي-في فهم الأنا-العربي-وهذا ما لم نجده عند الأنا-العربي-.
3. إن الاندماج الحضاري،أو الصدام الحضاري بين الأنا والآخر،كان دوما يأخذ مجالات متباينة في الفهم والتطبيق،فالعربي نظر إلى الآخر الغربي دوما بنظرة العدو المرفوض،والذي لايمكن الاندماج به،وان العلاقة التي كونتها العملية التاريخية،من خلال الموروث الديني،قائمة على رفض الآخر حسب الفهم الغربي لها،وبالتالي كان الآخر الغربي ينظر إلى العربي دوما نظرة استهجان،وان كانت العقبة الأكبر بين الأنا والآخر هي اللغة،فان الجهل بالآخر يصبح العدو الأول للاندماج الحضاري.
4. وبالرغم من النظرات المتباينة فيما بين الأنا والآخر،إلا أن هذه النظرة قائمة على الجهل بالآخر،فالأنا هو امتداد للآخر،والعكس صحيح،ولايمكن أن تقوم علاقة حضارية بين الطرفين إلا بسبر أغوار الأنا للآخر.
5. إن نظرة الأنا-العربي-للآخر،كانت دوما تنبعث من الواقع والظروف التي يعشها الأنا،وهنا تصبح العلاقة قائمة على انعكاس الذات بـِ (آنوية مفرطة) تقود إلى اندماج كلي حتى تذوب الأنا في الأخر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khatab38.forumslog.com
 
الحملة الفرنسية على مصر من خلال المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي(دراسة استشراقية)عمر البوجمال بن جاسم2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الوادي  :: ابحاثومقالات علمية وتربوية-
انتقل الى: