الوادي

الحياة خبر كويس وآخر سيء
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
سبتمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 
اليوميةاليومية
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث

شاطر | 
 

 مدن تحت المجهر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد خطاب
Admin


عدد المساهمات : 148
نقاط : 441
تاريخ التسجيل : 21/07/2009

مُساهمةموضوع: مدن تحت المجهر   الجمعة ديسمبر 11, 2009 4:33 pm

مدن تحت المجهر

كتبهامالكة عسال ، في 1 أغسطس 2007 الساعة: 16:18 م

الاديبة المغربية
قتات الرصيف

أحس بالزمن يطقطق الضلوع،حين ترصفت في محجره كبسولات الألم…اختلس النظر في أرجاء البيت، ولما أدرك أن عيون السكينة مطبقة على كل ركن، تسلل بنوازعه المثقله نحو اللامعلوم، يعرج على محطات النكبات اللاهبة، كلما استل قدما، تتوغل الأخرى في مستنقع بلا قرار، عازما نسيان نومه على الجمر تحت أحلامه الضاغطة، العاكسة للصور الموجعة التي لا تبلى،لم يع ساعتها أن طابورا من البلايا ،على حافة الانتظار فاتحة له الباع، وأفواه التشرد منتصبة له بالمرصاد، لتبتلعه شذرة شذرة؛ أحكم فبضة رأيه المنفجر على حين غرة،وبآخر نظرة بئيسة، ودع البيت الذي احتواه منذ أن تدلى نطفة على سطح الكرة الأرضية، بعوده الطري، اتبع رنين هواه المنفلت من مساره الصحيح على حد اعتقاده؛ وبعد اختيار المكان الأنسب في المدينة الفضلى، حاول شق عدة سبل بحثا عن مجلب للرغيف، وما النصيب غير انغماس الأنامل في الكثبان الرملية، أو ارتطامها بجدار اسمنت، فاستتب أخيرا لإفرازات الزمن المؤلمة، رابضا تحت ظلال البؤس بين طيور الشؤم،ذُرى لإعصار الخريف… غير ما مرة لكزته فكرة الانتحار،وكان يعدمها خنقا بوردة أمل، تنهض من حين لآخر ولو منطفئة…انتظر..انتظر..لعل ابتسامة تطل يوما مورقة من تصدع الأيام، تأتيه بغيمة ساحرة ممطرة ، توزع في أحواض فيافيه قمحا أو قرنفلا؛لما أيقن أن فضاءه مدنس بعبارة عاهرة، وصندوقه مفعم حتى الذقن بالمواجع، انساق لإملاءات ذهنية خانقة ،ليجتث حقبته اللعينة هذه، واجتباء أخرى مفروشة بنغم صبي عبق نظيف……….
على رصيف صدئ منحدر من توزيع مهين ، إثر تخطيط حقيق خال من أدنى اعتبار للإنسانية ، كل مقوماته فوضى وتمزيق على النطاق الواسع…سار في دربه المصطفى ، يلملم شتات أعضائه بملوثات طائشة ، كحجاب مؤقت لواقعه الجارح، وعند الصحو،تنسرب حلقات الألم طازجة على النحو التراتبي، أمرها معانقة مواء القطط بتناغم مع نباح الكلاب…
على شهد الرصيف يحتضن بيض المواجع ليتفرخ من جديد….

أخذت الصنعة الموروثة تتواثب على الأكتاف، لها كموروث شرعي قصبة شاخت جنباتها، وارتسمت على جذعها الأخاديد؛ وصنارة مازالت على العهد القديم، تحتفظ بالذكرى، تتعثران معا في مهنة ؛ تمددت مراسيها عبر ثلاثة أجيال، كما تتمدد بعض الوزارات والرئاسات بالإرث والوراثة..أليس كذلك؟
قبل أن يلثم الضوء صفيحة البحر، وبالضبط عند انسلاخ الفجر من جدار الليل، يتوجه مع رفيقتيه إلى البحر، وحين يترصد موقع السمك، يختار مقعده الصخري، مترجيا القدر الذي قد يرحم أو لا يرحم، بمعية الحظ الذي قد يخطئ أو يصيب، ليجود عليه بطن البحر ، حتى يستطيع مجابهة تراكمات الهم اليومي المتواصل.
هو رب أسرة تتكون من شريكة مثله انزلقت من طواحين البؤس، لمهما الوعد على تجرع الصديد من قواريره الخشبية.. وسبعة فلذات الأكباد مشرئبة أعناقهم، بمناقير مفتوحة كالفراخ الزغب،لتصيد قطعة رغيف تملأ فراغ الأمعاء، أو قماش يستر أجسادهم الطرية ، أما التمدرس والتطبيب فلا مكان لهما في هذه القائمة..أولاد الغيل بالترادف، لم تستطع الأم تحديد النسل:ليس اعتمادا على مبدإ كل واحد رزقه على الله، ولا مبدإ الأولاد هم زينة الحياة الدنيا بل لقصر اليد، جربت حبوب منع الحمل، فكانت الوسيلة متعبة للغاية؛ وعاودت الكرة باستعمال اللولب، فكان الحال أسوأ، فرمتهما وراء ظهرها تحت شعارها الخالد:اللهم الولادة ولا الإبادة… واستمرت بنت فولد حتى تكاثر العدد؛ ومطالبهم طبعا تجنى من ظهر السمك…
كم مرة لطخت عبارات اللوم مسامعها:
ًالفقر والتفريخ إلى أين يا سيدة؟ً
ًفريق كرة القدم وكأن الأولاد سيشيدون لها عريشا في الجنةً.
ً مطالب إثنين أشد صعوبة فكيف بهذا العدد؟ً
أسرة ملوثة في أقبح منظومة، وكأن وسائل تحديد النسل منعدمةً.
رمى صنارته في جوف أمواج تمد رؤوسها كالأفاعي، تزبد وترغد في غضب شديد، يتزايد انتظاره بتزايد لغطها… تتحرك القصبة وحين يجذبها، تخرج الصنارة بسوالف الطحلب، يكتم غيظه ويعيدها ثانية، يترقب، يجذبها، فيجدها أثقل من برميل نفط العراق، تنفرج الأسارير .. يحاول بما أوتي به من قوة، ولما تنفك.. يشتعل الحنق..يرميها ثالثة بانفعال حاد، ويقسم ألا يخرجها إلا وسمكة ضخمة في حوصلتها…يحاصره التعب تخور قواه، وغفوة جميلة تلحس جفنيه في لطف دافئ، فيرحل في يخته العظيم، في بحر كالحصير متواضع، وفضاء وضيء ينحني له إجلالا… من غرفته الأنيقة يصعد مزهوا بنفسه بلباسه الكلاس ،وسيجاره إلى سطح الباخرة، يتهادى كالأسد وسط البحارة.. يرمق العمال في حركة دائبة، شباك ترمى، وأخرى تخرج طافحة، تتعاقب عمليات الإفراغ في الناحية الأخرى، حيث يو جد معمل يحسن التصبير..ينفث رماد سيجاره بابتسامة كالزاوية المنفرجة.. والسمك يتقاطر ويتقاطر، من الأفق، من السحاب ،السمك ينط من الموج،ينط من الباخرة، الشمس سمكة، الطيور سمك، الرمال سمك، السمك يبتسم ،السمك يرقص ، السمك يطير،السمك بين قدميه ،ـ السمك على كتفيه، السمك فوق رأسه، الدنيا كلها سمك..يبعث دخانا من سيجاره ،فيرسم سمكة كبيرة تقفز في البحر، يتطاير الرذاذ..ولما يفتح عينيه،يجد القصبة تطفو بمسافة ، يتعذر التقاطها.

ولم يحرق شهادة الدكتوراه

في قمقم ذهنه ،اشتعلت فكرة تخطي سور العتمة،الذي امتص سنوات عمره، إلى مرفأ أوربا المضيء؛حيث العمل موزع في السلل، وفضاء الدراسة بسلاسل الزنابق مفروش؛كان ذالك إثر فشله في أكل الطيب من ثمرة عمل، يحصل عليه بشهادة الباكلوريا، أو دبلوم المعلوميات؛ وحين تجرع كؤوس اليأ س في المحاولة الثالثة بشهادة الإجازة، سقط الأمل بين يديه كعصفور ميت من الشرفات المنظورة، فنفذ الفكرة؛ إذ أصبح تحت مظلات أوجاع الغربة ،لحظة افتراس بين ندل المقاهي،ومسح السيارات، وبيع الورد تحت الأساقف، مع الإمساك بناصية الدراسة بالطبع……….
توجت عودته بشهادة الدكتوراه في كف، وفي الكف الآخر جوهرة العمل في أبهى بريق كما تصور … اجتاز مباراة التدريس بالجامعة، بناء على لمحة خبر في أحد أعمدة الجرائد، كان بمفرده المترشح لها؛ ولما رفع الغطاء عن طبخة النتائج؛ قفز على اللائحة اسم آخر !….

يقبل جبين أمه،يتقدم بخطوات حزينة نحو الباب وأمتعته على الساعد؛ يتفرس في صورة أبيه، يستحضر ما تكتنزه من تحف وطنية رائعة، كتبت مراسيمها على خد التاريخ بماء الذهب، ووشحت بآيات التقدير ، يدقق النظر في الملامح جزءا جزءا: القسمات وما تجمعه بين ألاجنحتها، من ذكريات مجبولة بالألم ،العينين وما وراءهما من نظرات ثاقبة تندي بالعطف، والحب، الأنف وما يشتم من روائح الظلم العطنة المتطاولة بلا حدود، الفم وما يقذفه من صيحات احتجاجية، رافضة الاحتلال، وانتزاع النفيس خلسة!…
تحترق صفحات الذكرى تباعا..ثم تتوقد ثانية، لتحريك جمر المواجع من جديد.. يبسط عينيه ثم يرفعهما بزفرة مشفرة حارقة ..فيتراءى له الأب بأنامله يصفف خصلاته ، وبراحته الأخرى يمرر لمسات لينة على جبينه وخدوده،ليسكب دفعة واحدة حنان أبوة ، باتت مشروخة بقسم محفور في جدار الروح، حتى آخر ورقة….بعد عناق وتقبيل مدغمين بمسحة أشجان، ينسل طوعا من بين المشاعر، إلى حيث الوطن ينتظره، ليحمله على الأكتاف شامخا، وبعطره يغسل مدنه العارية وأمام بيوته يوزع الزنابق…ينبري بين القذائف..يتوارى خلف المداخن..يظهر كلمح البرق بين السحب الداكنة..يسف الرمل:الرمل الذي يحتضن رفات الأجداد مخضبا بدمع الجدات، غير مبال بأ قراط الصواريخ المنهالة على هامته.. يتجه نحو شارة النصر المطرزة بألوان قزحية.. كان يلهث خلفها ليرشف عسلها النظيف، ومن بين المجرات يأتي بالشمس في ثوبها الخفيف، لم يكن يعرف للعناء سبيلا ولا للرضوخ معنى.. يمتطي الصهوات الشائكة ويقتحم الدروب المقفلة، لم يكن يخاف خفافيش الظلام.. فالعزة تسري في النفوس كما الأوردة..والوطن على الرموش يزهر.. هكذا كان الوطن ينبت في جسده غصنا غصنا، ويتفرد بتلة بتلة..مذ أن كان طفلا، وصوت القذيفة يضجر سمعه، والرعب في كل واد يهزه من رسغ القدم حتى الفرائص… فهو لم يختر الجندية إملاء أو قصرا، بل الفكرة مخفر ة في جرار الطفولة، لما كان يلعب بين جماجم الأطفال،بقدميه يدوس سلاسل الدماء، ليحمل جريحا في ساعفة، أو مع الزملاء!…لما كان يستسيغ اللقمة مرشوشة بعظام الأبرياء، والرشفة بمسايل الجراح.
كبر في نفسه الألم، وكبرت معه تماما أو أكثر، عزيمة الغطس في حمم الجندية، حاملا في راحته تفاحة روحه، وفي الراحة الأخرى حاملا بريق الوطن!…
يطأطئ رأسه إجلالا، فتلوح له ذكرى، ترعش كيانه بصورة أكبر..لما يسمع صفارة الإنذار، ويندس في الأقبية مع الفارين بجلدهم من الموت المباغث، بين الحين والآخر ليقضم الأرواح..هو الموت يجري ويركض من الخلف دون توقف.. يرفع عينيه إلى أمه سائلا:
أنموت الآن مثل أبي ياماما؟
فترد بهلع شديد:
- لا أدري؟
- أنا لا أعرف شكل الموت.
-وأنا أعرفه بكل الأنواع: الأبيض- الأسود-الخشن- الناعم وهلم جرا… يهاجم كالإعصار، فيزرع بين النخيل طفيلياته المرة، ونحن يابني لا نريد موتا رخيصا ..
ذكرى تومض لحظة وتتلاشى أخرى..يغرق في صوت القننا بل… تلوح فاجعة الأب اغتيال الأخ الصغير في الحضن..ساق الأم المبتورة..الجثث المتفحمة، تراكم أخرى في المشرحة، المقابر المرسومة في قمم السماء بألسنة المداخن..كابوس مزعج لقاذفة ، استفزت راحته بالتحليق فوق رأسه، كالعجوز بشعر أشعت،وأذنين طويلتين، تتعالى قهقهاتها الساخرة تمد ساعدها إليه ليرحل معها، يلطمها بكفه فتتناثر أشلاء!…
يلتفت إلى أمه.. يلوح لها بيده ثم يخرج…….فتطلق زغرودة!

عرش بلقيس

ٌٌتسللتَ إلى الحانة، وبعد التراشق بكلمات سرية دقيقة تفقد عذريتها تحت المجهر؛حملت ماتحتاجه من قوارير الخمر،واقتنيت مستلزماتها، ثم امتطيت شاحنة مشغلك بمعية صديقتك، توا إلى المكان حيث رفقاء الوعد ينتظرون…المكان الذي اعتاد مجيئك ومن معك، لتفرغ في أفواهه عاهات أفرغها قبح الزمن دفعة واحدة، فتكدست تحت الضلوع…. تطوي أو تردم جراحا معتقة منذ الولادة، علقت بظهرك كالإرث المحظور، تدائب في الكبد على الحفر بالمعاول،فتسيل دمعا مالحا ليخربش فضاءك، ويعتم مسيرتك، فتنصهر البداية في النهاية، وفي آخر المطاف ينشرك قصة مغلقة في طريق تتكثل بمسارب التيه…اتخذت وأصدقاءك الصخور مقاعد؛ تتقابل العيون جاحظة، تتوالى مجازات الانتظار،ولهفة جامحة تدفع الأنامل إلى ملامسة القارورة، وبفتحها تستأنف مطاردة شبح الزمن، وغرس غصن الروعة في جثته،بفتحها تنبش في القدر، لتدفن الأثقال المطولة،وبالتالي تسقط الأوزار المحمولة على القفا !…يندس الحلم في رغوة كلام حين تحلق الكاس الأولى في الأجواء، لتصافح جفاف الشفاه المَضنية ، وتفرغ حمرتها في الحلوق الشاحبة ، فيسري دفؤها عبر الشرايين والمسام، لتصب بردها على المشتعل من الألم حتى تطفئ لهبه الحارق…ترفرف الكأس الثانية، فتضيف شحنة زائدة ، يتكهرب الدماغ ، تطير بك فراخ النشوة، تخترق الأحجبة الممتدة ، فتصبح الصخرة عرش بلقيس، والمستنقع مسبح كيلوباترا ، والصحراء واحة نخيل، والغراب كناريا وأنت ملك الكون ، تسوي جلستك البهية، وترخي أطناب جسدك لنغمة قزحية، تطفو بك في الآماد النائية…فتشتعل بيارق الشهوة ، لشيء مفقود لاتدري ماهو؛ ومن أعاليك تتدلى كتلة مرتخية تتأرجح بين خصلات الريح، تريد ولا تدري ما تريد، أو تريد ولا تريد في آن واحد …تسري فيك قوة عملاقة قد تفتت العالم في غضة طرف كقوة "الهيلك " تماما أوأكثر، فتجتاحك رغبة مدهشة تعلن في الخفاء مسح هذا الدرب العكري بجرة واحدة، وقطع أواصر عفونته الشاقة، ثم تشييد صرح فسيح بحلل رائعة، لتعيش عيشة راضية مرضية، في فضاء أنيق لا يمسه إلا المتطهرون؛لقد صرت نبيا تلك اللحظة بفتوى الصواب-هكذا بدا لك- وأنت ساعتها لا تعرف الصواب من الخطأ !… وقت قصير يمر فتنسل تحت عيون الليل المُطبَقة إلى الشاحنة، على غفلة رفاق يطربون لحفيف هبات النسيم المتلاحقة ، يرشفون لبن الخدر قطرة قطرة ، غير مبالين، تائهين في فتور قدسي لا محدود…تمخر عباب الحلكة في اتجاههم ، لتبتلعهم مدغة واحدة…تعالت صرخة إنقاذ مرتابة لينفذوا بجلدهم..ففر الكل من موجة القتل المباغثة…
…..هنيهة وينزلك الشرطة مغلول المعصمين؛ والبنت بين العجلات في كفنها الاحمر ، تتجرع آخر رشفة !…



محاولة انتحار
صار العالم في عينيه بحجم خرم الإبرة ،أخذ يبحث عن أداة الحصر، لحياة مطاويها كرات نار،تحترق فيها غابات اللوز: شفرة حادة، جز الشرايين ،وينتهي الأمر….في تصور مدهش خَبر رعب البداية، حرارة الألم ، الجثة ، الشرطة،الصياح العويل،تمريغ الأم وجهها في الدماء. فغاص في ذكرى يوم كانت تنتظره بباب المدرسة، تنتشله من زحمة الصف، تتأبط المحفظة مفسحة المجال لانعتاق الظهر من قيود الأحزمة وخشونتها…معتكفة – بما تمليه عليها الأمومة – على تلبية حاجياته .. حين تلحظ على وجهه مسحة حزن ، تبددها بقبلة تفتح حقول الفرح…نهض من تل الذعر الشديد ، أقلع عن فكرته بوسيلة أخرى أرحم:حبل جديد،مكان الربط، شجاعة، أول خطوة ،وينتهي الأمر. تداخلت هذه الأشياء المعقدة في شبكة دماغه العنكبوتية، فتعطل الحل..انتهى أخيرا إلى شكل آخر أرقى وأسهل: أقراص، كوب ماء، ابتلاع، وينتهي الأمر…
جهز الأشياء على مائدة قرب السرير، جلس على حافته ململما أشلاء وجهه بين راحتيه،متجرجرا بين مد وجزر الحيرة.
ً ً الحياة لا تطاق ً
ً ً لا ياعم،الحياة صبر ،جد ،طموح ،أمل، إذا توفرت لديك هذه الأشياء: الحياة تطاق ً.
ً ً الحياة توزع مغالقها في كل درب، فأي مسرب دخلته يفضي بك إلى صحراء كلها عواصف، مستنقعات نتنة:تستل رجلا تغرق الثانية ، قممها عالية ، تجتاز واحدة تنهض الأخرى أشد علوا ً.
ً عليك ياعم أن تكون في خفة الفراشة ، تعرف كيف تصطاد عذوبتها من بين تخومها الوعرة ً
ً ً حاولت، كلما دست وضعا بأنياب الكلاب ينتصب آخر برِؤو س الأفاعي ً .
ً ً الحياة واسعة وأوسع مافيها ملاذها الممزوجة بمرائرها ً.
ً ً على أية حال أنا سأترك الجمل بما حمل ً
ًاحذر أيها الوغد اللذيذ ،ليس صحيحا أن تعبث بحياتك احتجاجا ،فأنت تقدس الموت بتخريب جسدك في حفرة ،معناه : تلاحم الطمي وفتات الجسد في تركيبة جدلية جديدة لا أقل ولا أكثر…يجب أن تقدس الحياة في طرد الموت بتحد كبير
للإكراهات ،والإنصات العميق لهمس الكون ، وفك أزراره موغلا إصبعك في صلب الأشياء، تبعثرها ،ترتبها، تلامس قعورها،تخرج منها بسلام حاملا النتائج،لا يضيرك سلبية كانت أو إجابية ً…
نهض معاتبا،تحرك في الغرفة،جلس ، قام ،أزاح بكفه أشياء، حول أخرى من مكانها ، ردها ،جمع جمجمته بكفيه ،سحبهما،قضم أظفاره، رنا إلى السقف، امتعض الريق ،وبقوة في قمة التوتر زأر كالثور وقذف المائدة ..حمل الهاتف ،رتب الأرقام..لحظات ، دخل صديقه مذعورا، فوجد أقراصا منثورة، ماء مندلقا ، وقطع زجاج.

دعوة
فتحت بابي ،فلمحت شيئا كالورقة، يرقص على هبة ريح منسلة من الفتحة ،اقتحمت طويّها في فضول جميل،انفرج مبسمها عن عبارة : "الحضور ضروري لحفل زفافي ياشقيقي ورفيق دربي ، الذي تقاسم معي عقوق الأيام ،ولعنات القدر في عرين الطفولة..أنا اليوم سألتحم بنصفي الآخر"..
يريد أن يكمل جسده..أليس الزواج تكملة ،ودق أوتاد الرزانة في فدافدا الشغب والاستهتار، وترويض طفل المراهقة ،بسببه قضى ليالي تحت تهاطل الأمطار ،ولفحات الشمس ليسكته،وفاعلا حقيقيا لإبادة حشرات الوحدة مستفزته بطنينها الأحمر، ورادعا قويا بإغلاق أبواب مطارة الجنس الآخر في وجهه ،على الأقل في البداية.. ؟
لكن لا تسألني عن الشريكة حمالة حطب المقبل في جيدها ،فأنا أجهلها تماما..على كل حال هي امرأة ككل النساء …لرهافة قلب صديقي، ستعيش حياة ببريق الماس،تنجب أو ينجبان هما الإثنان،لا أدري ،لا أدري أتنجب هي أم ينجبان هما معا ذرية الاستمرار ،وترسيخ الا سم في سجل الحياة ..و لكن لا أدري أهي صالحة أم ليست كذلك ،ولا هي عاقر أم ولود …بيني وبينك أليس الزواج لعبة شد الحبل في ميدان التعب وحرق الأعصاب في رماد الأشقياء…..؟ يا أخي من يرد الغطس في بحيرة هادئة يرها ، ومن يرد خوض حمم السعير يرها …وما شأنك أنت وهذا التحليل المريض؟ فأنت خارج المربع ،تعيش فرخ حمام في أعلى أسفل الأبراج…فإن أضعت مفاتيح قفص الزفت هذا في برك شطط القدر ،فذا شأنك …اُتركِ الثرثرة والاستفهام ،فاللحظة تضيق بهما ،وهيئ نفسك لتعلن للصداقة وفاءها ……
بقرت بطن الصوان الذي تخلى عن دفتيه ،لأنتقي خيرة الملابس ..تسربلت القمصان والسراويل في هدوء..لا شيء منها يدعو إلى الغبطة …حتى الحذاء فاتح شدقه منذ أسبوع..ماذا أفعل ؟أأجمع قشاتي في عشي وأمرر إليه اعتذاري ؟…يا أخي أية ذريعة تقنع صديقك بالقبول ،اِلْوِ جسدك في أية ملاءة وانصرفْ، واستفذ من حصتك هذه ، فما زالت أمامك مثل هذه الأجواء…أتمزح ؟فمبلغي المادي يتعرض للقضم قبل الوصول إلي هيكلا عظميا …وما تبقى تساومه فواتير الماء والكهرباء والكراء …….
بعثرت الملابس، والتبعثر أُدْمِنت عليه منذ الصغر ،هكذا علمتني أمي ،فحين لفظني رحمها بعد البنت الثانية ،كربة الأسرة، ومعبر نحو الشؤم كما تراها الأسرة ،لكونها رديفة البكر ،كأنها غلطة العمر..البنت مصيبة إذا عَنَستْ ،وترى فيَ أنا ذكر البيت ومبهجه…أتتفق أنت على أن البنت كارثة ،رغم بحر حنانها المتدفق، وتحملها جزءا من مسؤولية البيت ؟أعوذ بك من لغوك المخروب هذا ……على إثر التبعثر كنت أجد ملابسي منسقة كالآيات القرآنية ،والتغيير يتم على ذوق أمي أو أختي من حيث انسجام الألوان ..والوسخة أرميها أشلاء في الجنبات ..ولا دراية بالطبع أية أنامل جمعتها ونظفتها ،وأعادتها مرصفة إلى مكانها..والتلبية بنفس الإيقاع حين تهاجمني صراصير الجوع،ولا شأن لي بالمائدة وأوانيها ، فارس البيت كنت ،أمشي فيه أميرا …..ولما بعثرتني الأيام ،أعيش الآن بأسلوب التبعثر،حتى غدا النظام من كبريات المعضلات..غرفتي، أِلفتُها هكذا مبعثرة..لأن التبعثر هو الذي يريد……قمصان منكمشة، وربطات عنق: أسمال بالية لا غير ..يالهذه الدعوة البلوة ،التي غدت اليوم فاتورة دين يجب تسديده..ركنت إلى سريري تتجاذبني متاهات وعيناي مبسوطتان على الملابس ..قمت ثانية بعثرتها يمينا، شمالا..لبست قميصا أصفر ،فأصبحت ككنائس الضوء..
ومنظري أبشع من وجه ميت ..نزعته..ولبست آخر أحمر ،فذكرني بإشارة دورية الليل،وبقع دم الضحايا المهرقة غدرا
فأقلعته أيضا ..تصور دعوة فرح تجر عليك سيلا من المشاكل..جلست على حافة السريرأتمعن في الأحذية : أانتعل الحذاء الرياضي مع السروال ؟أي تناسق؟ ألا تعرف مقلبه في الأجواء الحارة؟تجاوزْه ياعم ..الصندل :أظن لا اعتراض فالرِّجل لها منفذ لاستنشاق الأكسجين.. الصندل مع السروال ؟ أية غرابة وأي تبعثر؟…أنا قلت لك منذ قليل :إني مبعثر ونشأت على التبعثر …
أنسيت حذاءك؟ .. حدثتك عنه سابقا…اِلتحفْ أية خرقة وهيا لتبتر هذه الليلة من قائمة الليالي الماردة،فتروِ صحراءك الجدباء ..حل ترقيعي لِرَي القشور أما تحت الضلوع فالدود ينغل..أعدت الملابس إلى مزبلتها ثم تسمرت في مكاني ،متتبعا مروق ذكرايات من حافة الطفولة مبتسما، مقطبا …انتفضَ الحذاء ضاربا النور في الجوانب يلمع بشكل مدهش ،جوربان بلون رمادي تقفزان من الدرج، وتحطان عصفورتين على الحذاء، أفرك عيني ،أغمضهما ،أفتحهما أُرمِشُ.. يتدلى القميص ببياض مشع كحيوان رخوي، تركض وراءه بذلة دهماء ، ربطة عنق رقطاء تتلوى كثعبان ..تزحف الجماعة نحوي ..أربعة أياد بلورية تُلبِسني..تُقوّم الخلل..أنا الآن في تمام أناقة الأمراء ..مشطت شعري ..
ابتسمت،التفتّ ،انحنيت ،قمت ، عاينت سحنتي في المرآة ،تأبطت الهدية وانطلقت كالسهم نحو العرس ..انتبهت على
صفارة سيارة الشرطة.. جلبة وغوغاء ..الحمذ لله إذ مازلت في بيتي..

الذبح من القفا

على شواطئ الغربة هدمت خيامك الحزينة ، طويت القهر ورميته خلف الدهر، ثم جمعت بسمتك ،ورتبت أزمنة جديدة في حقيبتك ،لتعود قافلا إلى مضجعك الأول ،تكمل بالنيابة مشروع الأب الذي التقمته في ليلة طائشة إحدى الطلقات غير نادمة ..تجمع شتات الأم والفراخ الزغب من إخوتك ….
توجهت إلى المطار، وفي يدك آخر مشرط لذبح الفاجعة …من أقاصي عينيك تنط الفرحة ، ولهفة الوصول تضرب أوتار القلب،بك عزيمة تخطي المدن الفاجرة ، والأعاصير، وزرقة البحر، لتوقظ أقاليمك من نعاس الأنقاض، تزرع في صخرها حقول القرنفل ، تغتال على عتبته الإيقاعات الغبنة ، أتعابا فرخت بلا حدود. فبعد أن ملأت سللك بنواضج التمور ،ترغب في مد سواقيها ، إلى المدن الجائعة بالوطن….هكذا توقدت بنات الأفكار …
التهجير كان مرغما ..التجاؤك إلى دولة أخرى لم يكن بأمر منك ..ولا من دواعي الاختيار ..طوحتْ بك كغيرك قسوة الحرب ،لتنفلت بجلدك من أياد تعشق امتصاص الدماء ..اللعب بالجماجم ،وقطف الأعمار ..لتفر من أجساد تعشق الرقص على أسقف البيوت المهدمة ،الطرب لأنين المفجوعين ….
انزويت بركن الجامعة مستظلا بمُحْسن ،لا تأبه بمباغثات الوضع الجديد..تحرق دمك باحتراق اللحظات ..تلحس بشراهة ما في الكتب ،وما في دماغ الأساتذة، . لتبلغ زمردة تبرق وتغيب بين قلائد الأحزان .."فراق الوطن صعب ".." قتل الأبرياء صعب".. "التشرد صعب".. "سرقة الفاكهة من حضن التعساء صعب"..هكذاكنت تتفوه حين تجرفك لحظة غياب ….كنت تقتات من جلدك والتراب ،لتتخطى مرحلة مذنبة ، قافزا على الكهوف والأنفاق والجمر،لتفوز بأخرى ندية .. لم تكن تعنيك نفسك بقدر ما يعنيك وطنك ..ركبت سفن التحدي في تأفف…وقتلت اللحظات المتكالبة …..
أخذت مقعدك في الطائرة ،وما إن استويت حتى شرعت أقراط الذكرى تنهال: صخب متلاحق،أصوات ،طلقات ، صراخ ….أحداث تتناسل …الأطفال يخمدون رؤوسهم بين أكتافهم أثناء كل دوي مرعب ..
- " الصهاينة كلاب ،حشرات لادغة اندست في صفوفنا لتقطع غصن البرتقال الرابط بين العرب ،وتنخر حلقات التلاحم "…
- "لا أدري من أين رمتهم ريح صرصر ليشردوا شعبنا ،ويغتصبوا أرضنا "….
تنتفض مذعورا للسعة مجنونة ،تمرر أناملك على شعرك ،تستفزك تنهيدة تنفيسا عما يحترق في قاع الأعماق…تلتفت يمنة : دوي المدافع ،لحم بشري يتراقص في الهواء ،أو عالق بفوهات بنادق ..تلتفت يسرة ،أتربة ممزوجة بالدماء ،جثث متعفنة … .نساء تعوي ، صبية يثغون ..دبابة كاشطة توهج التاريخ ،لتدنسه بحلم محبوك رُسِمَ على أطراف رغبات عاهرة ،ونزوة قاتلة :" إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات"،لذَبْح فلسطين من القفا، وبقْرِ بطون الدول العربية …السماء تنشق عن اللعنات ،والأرض تتجرع كؤوس هطل المساءات الرهيبة ..يزهر الألم في ساحة الأحداث ،فتنزلق من عينيك بلورات تتدحرج بين مفاصل الخد ، يرافقها أنين موجع..تتلمط الشفتين في حنق …ثم تعود أدراجك إلى جو أزيز الطائرة خارجا والصمت المخيم داخلا ….
…وصلت بسلام ..المسافرون يرتبون للنزول..ترمي معطفك على كتفك ..تأخذ حاجاتك ..تندلق من رحم الطائرة ..تقف مشدوها تسرب ناظريك في فضاء اعتقل من طرف الزبانية ،وأرض تفرز بين جذوعها قيحا …وشمس ملفوفة في ثوب الرحيل ،وهواء عطن بريحة الجيفة …يبتلعك الفراغ ..تقل سيارة أجرة إلى المكان الذي تركت فيه قدميك ،ونبضك ..المسافات تطول ..الطريق تنجر إلى الخلف ..والوقت يتمرن على الحبو …بلغت المكان ..ناولت السائق ثمن الرحلة .. وقفت تتفرس بدهشة في المتسع ..تحمل حقائبك مرة أخرى ..تتابع السير أماما ..تنعطف إلى اليمين ..إلى اليسار.. يستوقفك شارع آخر ..تضع الأمتعة ..تبرق أمامك لحظة اشتعال المشاعر ..بسمة أمك ..عيون إخوتك المتدلية في عطش ..قلوب أحبة تحتفي بنشوة اللقاء …أنت المنتظر، مَن سيحتضن مخلفات الزمن الهارب في درب المشقة الطويل ..يجتاح سمعَك صوتُ أخيك الأصغر يركض نحوك بملامح منشرحة :
- أخي جاء أخي جاء ..
- تهرول الأم في دهشة عميقة ممسكة أذيالها بكف، وبالأخرى تلوح هاتفة داعية ،منقادة بحبل غريزة الأمومة الجميل …أنت القادم تسارع الخطو ..الأم تصيح ..الإخوة يتسابقون للفوز بأول قبلة …تضع الحقائب ..الإخوة يتجاذبون جذعك ..الأم في عناق حار توزع فراشات القبل على خديك وجبينك ….تنتبه على جرس سيارة …. تعبر إلى الجانب الآخر .. الدرب هو الدرب ،الرصيف ليس هو الرصيف ،الأشجار ليست هي الأشجار …شظايا منازل ..خراب ..سََرتْ في جسدك رعشة خطفت من حلقك الرحيق ..تسمرت في صمت ،وعاتية عصفت بملكة التدبير ..غاب عنك الاتجاه ..تابعت رهيف الخط متجولا بين الأتربة المكدسة وأظلاف الحطام …"هنا بيتنا" …" لا بل هنا" .." ربما هنا " .."يا إلهي " ..أسئلة تتلاحق.. تصورات مربكة .. توتر ..آخيرا تتوجه إلى أحد الفنادق…

إجهاض
دخلت العيادة مندفعة كالمجنونة، تحمل في يدها غلافا ينطوي على جرح ، تجرجر خلفها ساقين مثقلتين، عقلها شارد نحو الحل المناسب لورطة رمتها أزمنة مداهمة ، قصدت المكتب بسرعة ، بلا تحية قذفت المشكل للمرشدة متوسلة بنظرة ذابلة، سلمتها هذه الرقم المناسب،وأمرتها بالجلوس..اتخذت مكانا ما في ركن ما منتظرة دورا ما..فغاصت في ذكرى ’سِرقت منها عذوبتها، ابتدأت بنومة قط في القيلولة، لتنتهي بلحظات تتجاذبها مسارب ، لا مقصد لأي منها يبعث على الارتياح …أحبته بلا إذن ، من بين أسراب الشباب اشتهته فارس الأحلام، بنوايا حسنة رسمت معه عش الزوجية، خيوطه حب ، وتضحيات ، هكذا اتفقا بكبرهما يكبر العش، يحضنانه يحضنهما يرعيانه يرعاهما …
هو حين عودته من العمل، يجدها في منتهى السعادة : فراشة تنط في أركان البيت ، تقابله بابتسامة ، معا يحتسيان كؤوسا مفعمة بالحب ، دون أدنى حركة تعكر المزاج .
هي بيد يها الحنونين تنفض عنه غبار تعب النهار، تحكي تداعب ، جندية مستعدة لخدمته و إسعاده .
هو يريدها أميرة للبيت لا خادمة، تأمر وهو عبد بين يديها يلبي عن طواعية…
دفنت رأسها كالنعامة في ضباب الماضي، ة فرأت نفسها أميرة تسير في رحاب بيت فسيح بخطى متبخترة على أرض كالياقوتة المفلطحة ، أقراط الورود تتدلى من الأسقف، مصابيح ملونة ، روائح العطور تعم الأرجاء، الخدم والحشم، أصناف المأكولات على الموائد ، أطفال كالأحلام اللذيذة…أفاقت من غمرة النشوة على صوت الممرضة تستدعيها للدخول ، بعد الفحص والاتفاق ، نصحها الطبيب بالاحتفاظ بالجنين تحت عبارة كريمة ً لا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ً ، فناولته الظرف بمقلتين تنهد فيهما قلاع الشروق ، ولما أخرج ما بجوفه قرأ ما يلي :
….عفوا حبيبتي لقد سافرت إلى أوروبا بعقد زواج من إيطالية لأن مبلغي المادي

أخطبوط العصر

بعد انتهاء المهمة، كوّمتُ جسدي المُثقَل بالعياء على مقعد بآخر عربة في القطار، مُوَزّعا عيني خلف النوافذ، أسرق متعة من مناظر تزحف حذائي في تودد، إذا بنومة عميقة تضع لمسها الخفيف على جفني وترحل بي في أقطار السموات والأرض السبع أُجابِه في فضائها كابوسا مرعبا… كائنا يشبه الأخطبوط، تتراقص أذياله المتعددة ،يخفي وجهه تحت أقنعة حربائية، يشع من عينيه لهب بركاني… بخطى ثابتة الإيقاع يتقدم نحوي، السحرة والدجالون يلتفون به، ربما يحاولون لقف هويته، أو الكشف عن حقيقته… أقاموا الدنيا وأقعدوها، ولا خيطَ دقيق مكنهم من الوصول إلى ما هم مرغوبون فيه، أو القبض على فصله أو نسله أو الاهتداء إلى أصله… نسبوه إلى الهنود الحمر… أحالوه إلى رعاة البقر… رأوا أنه من فصيلة القردة… كل هذه الأمشاج لم تحدد أيضا أهو بحري أم فضائي أم طحلبي… من عصر حجري أم حديث الولادة، لقيط هو،أم ابن شرعي… تضاربت الآراء، تعددت النظريات، تعاقبت التنظيرات، تكاثرت الأوصاف ولم يدر أحد الصائب منها من الخاطئ… يَمُدّ هذا الشبيه بالأخطبوط، أو هو الأخطبوط نفسه أذيالَه مُكشرا عن أنيابه ..يصول ويجول لا يلوي على أحد، ثم بصوته المندلع من قاع معادن الوحشية يقول: " أنا من أراقص على نغمتي المعشوقة كل رقعة من هذه الحارة المسماة كونا… أجيد اللعب بالبيضة والحجر، والقردة والبشر ،مذيبا في ريقي أحمم البراكين"… تفشّت الرهبة في الأجساد، واستبد الهلع في النفوس… فاجتمع فريق آخر من أطباء وعشابين وخبراء :الأموات منهم والأحياء ،للتأكد من جنس هذا المخلوق العجيب: ألاحِم هو أم عاشب… اتجاه رأى أنه لاحم لعشقه أكل الفراخ الزغب، والفراشات والأجنة في الأرحام، والدليل هو السّعار الذي يُلِم به حين يرى الدم …والفريق الآخر أقرّ أنه عاشب بحجة قضْم الأوراق والبراعم والفسائل الناهضة، كالتسونامي يأتي على الأخضر واليابس ،يدك البساتين… وواحات النخيل المخضبة ، يتركها عصفا ماكولا ولا يكترث …فأجمع الكل على التخلص من هذا الوباء الحشري، الذي يمد قنوات الموت عبر الربوع ، بعظام وجماجم بني آدم، يشيد أرصفة التواصل بين النقط التي وقع اختياره عليها ،لحشر توت الحرية، ويغرس عرائش الديمقراطية كما يدعي بكل تمويه فَطِن إليه الكل… وأنا كالصنم يستشري فيَ الخرس، ألمحُه ينفذ عمليات الهدم والإحراق والإتلاف… تابعت التأمل وأنا مشدوهة إلى هذا المشهد ،إذا بشيء غريب كالنمل، يندلع من بين الأنقاض… يتفرخ، يتكاثر… يلتف بعنقِهِ، بأذياله ،أنا مفزوعة… الأذيال تتآكل… العرق يتصبب مني ..شرايينه تُبتَر واحدا تلوَ الآخر ..أنا أصيح بصوت مبحوح ..أخيرا يهوي في حفرة عميقة… يهتز الكل فرحا ..يتعالى الصياح تتوالى التصفيقات… تتنامى الهتافات… على صفير القطار في المحطة استيقظت والابتسامة تعلو محياي …



حلقة مفرغة
أنت سابع إخوتك .تقبعون في وعاء بحجم صندوق عود الثقاب .تتمددون ليلا كخشيبات تلميذ بالسنة الأولى ابتدائي …مَن يحك ساقه أو صدره، مَن يسعل، مَن يتنحنح …بيت يتخذ أنماطا متعددة في اليوم ..تغير ملابسك أو تتبول في السطل على مرأى ومسمع الجميع …
في الصباح تركلك أمك … فتنهض مذعورا كمن لسعته عقرب، تفرك عينيك فركبتيك، ودون تناول وجبة الفطور، تتأبط محفظك وأنت لا تعلم ما ينقصها أو ما يمكن إضافته إليها ؛ تغادر البيت والأقلام تتسربل من ثقوب زواياها .تصل متأخرا ،.تأخذ مقعدك في آخر الصف، بعد أن يزدريك المعلم بنظراته الشرسة . تجلس وأنت لاتفقه في الدرس شيئا ، لاتعيره أي اهتمام ، باعتباره ينزل عليك كالصاعقة، في شكل طبخة ناقصة الثوابل، من برنامج يتغير بومضة برق على الشاشة الكبرى، خلف الستار وفق اختيارات مرفوضة؛ فيصلك المنتوج مشروخا دون إبداء رأيك فيه، ليسير في حلقة مفرغة نحو طريق مسدود، تختمر فيه المردودية نحو العد العكسي …لا تدر ي بعد من أين تمسك الشعاع، ولا كيف ترسم الظل، في الوقت نفسه .يتوه أستاذك عن الغاية ناثرا مجهوده في حقل رملي ..تُخرِج الدفتر لتكتب، لاتجد قلما ولا مسطرة ، .من السقف تنهال عليك صفعة برية تزيدك مرارة ؛ تتشرب العلقم ، تتيقن أنك استبطنت متاهة تفقد القرار ،يلوح لك درب الدراسة الطويل ،تراكم الشواهد بلا شغل،ثِقل المحفظة .الوضع المزري، فتركل المدرسة كما تركلك أمك كل صباح، وتركل معها البيت إلى أجل غير مسمى …
تنضم إلى أطفال الأرصفة ممن حادواعن الطريق، بفعل مفروضات قصرية أو تهميش طائل، وطبعا لاتبحث عنك أمك لأن جنبها ممتليئ عن الآخر، تسأل عنك بين الحين والآخر ببرود " الغائب حجته معه "….
تتضخم أعدادكم، تتوحدون أسرابا .ترشفون عصير الجوارب .أنخاب الصراصير المنقوعة والكحول، مع شم" السيليسون"، لترحلوا عن أرض عجيفة إلى قصور زاهية ألأوراق، تتدربون على النهب والسلب والإغتصاب؛ ولما تشتدّ سواعدكم وتتصلب بناكم، تتطورون إلى عصابات مسثوحشة، تجوبون أركان المدينة، لتعانقوا المارة بالسكاكين …لما تقعوا في قبضة الشرطة تلك مسرحية أخرى في منحى آخر، تتوغلون في كهوف السجون ،بضروب من الإنتهاكات الوحشة ،مع القمع القاتل للإنسانية ، كأنما عهدكم قد انتهى ، هو ذا معدنكم لا رجاء في تقويمكم بتهيئ تربة أخرى أنظف ،وتشذيبكم من خزي القدر، وخطيئة لا جرم لكم فيها؛ يتم الانسلاخ عن أدنى محاولة لتحويل قطاركم الضال صوب الدرب الصحيح …تقضي المدة وتعانق حريتك بنفس مدمرة أكثر،وإنسانية مذبوحة … تعيش حثالة في مصرف إحباط من أوسع نظراته؛ ثم يتملكك اليأس، تتنفس في طين الأرصفة صنوف المذلة، فتضطر إلى البحث عن سموم الفراغ الطائش وقعها أشد وأقوى ، ترحل مؤقتا عن هذا الواقع الجائر، فتقتل فراخ البؤس بالتباطؤ.. يمدك بها أحد الزملاء أو تجلبها أنت بطريقتك الذكية، تغيب، تغيب حتى يتراءى لك بؤبؤ العين قمرا، تجد نفسك في ربيعك العاشر، محمولا من طرف ممرضين إلى المستشفى .يدخلونك غرفة مفروشة بالحنان ،تنام وفراشات ملونة،تحلق فوق رأسك ،طيور بيضاء تترنم بلحن الأعياد،الأطباء يحفون بك ،يتولونك بالرعاية ،لما شفيت تماما ينقلونك بنغمة سمفونية على جناح السلامة ،إلى مساكن خاصة بالأطفال المنبوذين ،وفق شروط تغذي ميولك ،وتلبي حاجياتك ،ثم تغري طموحك ،يتحملون مسؤوليتك على أعلى مستوى ،باعتبارك من يخلف رجل اليوم في الأيام المقبلة ،كدعامة أساسية للوطن، ويعززون ذلك بلافتة معنونة "أطفال اليوم هم رجال الغد"على البناية التي تأويك ..تطرق المشرفة كحمامة السعد مقبلة من رياض الجنة باب غرفتك،ثم تفتحه بهدوء ،تطل بابتسامة كما تطل الشمس في ثوب الصباح ،وأنت والحاسوب تتبادلان المداعبة ،وقهقهاتك تتعالى في حرية …تقول لك بصوت لطيف:
- ألا تنم يا صغيري ؟
- لم يأت النوم بعد ،ترد وأنت تتابع اللعب.
- قد حان وقت نومك ،تقول بمحيا بشوش.
- اتركيني دقائق معدودات ،ترد ويدك تلامس الأيقونة.
كم؟5-10-15 دقيقة ؟تعيد السؤال مازحة.
15 دقيقة ،ترد غير مهتم.
لا،10 دقائق فقط. تقول بإلحاح
تقتنع وترضخ للأوامر ..تأتي ثانية بقدها الأهيف ،تتفقدك ،فتجدك تغط في سبات أسيل ،تطفئ النور ثم تغلق الباب …لما استويت تماما من بلوة المخدرات ،خرجت من غمد الدوائر المكتئبة ،إلى فضاء المدرسة المضيء،لتتابع دراستك،وتمارس أنشطتك الموازية ،في صفوف التلاميذ السويين ،ووسائل نقل خاصة تجث تآكل الأقدام ،أصبحت تهتم بدروسك ،تراقب ما تحويه محفظتك …تستيقظ من نومك كالعادة ،تنزع منامتك، تعلقها في دولابك،تلبس الزي المدرسي ،تعدل ربطة العنق ،تتطيب ،تخرج وأنت تنط نشاطا، مازحا مع زملائك نحو سيارة النقل المدرسي ،تضع رجلك،فتجد نفسك بين الشرطة إلى السجن ثانية…

زيارة مريضة
شدتني من تلابيبي برفق قائلة

- من هنا من هنا.
دلفت نحو باب هشيم مفتوح ،وضعت رجلي على أول السلم سائلة:
- في أي دور؟
أجابت:
- في السطح في السطح ، ليس في الدور …

فهمت…تابعت الصعود ..انغمست في ظلام ..أخذت أتحسس الجدار مخافة الكبو..أشياء مثل الفتات تتساقط، ..أخرى كالعلك تلتصق بيدي خدوش ،أو شقوق أو ربما حفرة تستفز قدمي ساخرة من خطواتي البطيئة .. واصلت السير بوقع هامس حتى لا يتطفل على البيوت المجاورة..
- استسمح ياخالة أتعبتك. فاهت الصغيرة بحرج.
- لا عليك كم بقي من دور؟
- ثلاثة لأننا في الدور الثاني .
.انقطع الحوار.. تلاه صمت مؤقت.. ترادفت الخطوات ، تلاحقت النبضات جف الحلق .إذا مخيلتي تعرض صورة أحد السلالم الرخامية المتلألئة العاكسة لطيفك تحت خيوط الإنارة . وكأنك تسير على لجة ماء …رائحة المنظف المنعش تشظف أنفك، الجدران ترد الصدى .نُمقَت جنباتها بأصيص الأزهار…
أمسكت بناصية المسكن المقذوف في السطح. مساحته تقل عن أربعة أمتار سقفه قصديري به ثقوب .لا ماء ، لا كهرباء محط أنواع هزات فصل الشتاء .كما هو مستودع عفوا قمامة لذرى زوابع الفصول .بابه تخلى عن مصراعيه، ستار مطلي بسخافة الأيام ،…وقفت مشدوهة أمام هذا الصندوق العجيب الذي يسكنه ألإنسان في حجم وصيده كلب لحراسة حديقة .وعادة الكلاب يكرهها الأطفال .يتضايقون منها .تراهم يتحاملون عليها رميا بالحجارة حتى تتوارى .بينما يداعبون القطط والكتاكيت برفق … مرة سألت طفلا :
- لم تهاجم هذا الكلب يا بني ، هذا حيوان أليف عليك اللطف به ؟
- رد الطفل وعيناه جاحظتان ملاحقا الكلب :
- إن الكلب حيوان غادر
- الكلب حيوان أمين يحرس بيتنا .
لا..الكلب مفترس إذا أمسك بك ينهش لحمك ،يمتص غضاريفك في تلذذ.لا تتقي فيه ،فالكلب كلب ولا شيء غير أنه كلب ….
- ا دخلي يا خالة ادخلي …قالت الطفلة.
عند مقربة الباب لطمتني رائحة ما …رفعت الستار ، أحكمت تعليقه جانبا . سرير مشلول وسط الغرفة .عُوضَت ساقه المبتورة بحجر، بجواره ر صندوق خشبي يحتضن أواني لقيطة . في الركن الآخر كلكل من الأسمال الممزقة ، وسطل تجرد عروته .ربما وضع للتبول والتغوط .المريضة على شواردها تلعق مواجعها القاسيةن بين الفينة والأخرى تداريها بأنات عليلة متواصلة .قربت الابنة منها هاتفة :
- - أمي أنظري هذه زائرة جاءت تخبثر أحوالك استيقظي .طالما شكوت انعدام الزيارة والزائرين.
- التفتت المرأة ،رأسها الملفوف .يعكس حفريات السنين الأليمة ..وجه شاحب يحمل عينين يابستين ،شفتاها الذابلتان يعلو جانبيها زبد …أخرجتْ يدها النحيلة لجذب الغطاء ، قالت ترتعش:
- مرحبا بك بنيتي..
- عبارة من بين الأسنان تسربت مرتجفة .
- - هذا واجب .قولي يا خالة ما الذي تحسين به
- - ألمْ تخبرك الطفلة يا بنيتي قالت والحروف تتلكأ .
- لا أبدا .
أزاحت الغطاء ،أخرجت ثديا ينز قيحا عليه ما يشبه الوحل مرجاني اللون :
- أريتك الرحمة يا بنيتي، ثديي مريض بالمرض القبيح حفظك الله منه
- وما هذا الطلاء ألأحمر؟ قلت متعجبة
- إنه تراب الولي الصالح سيدي المهدي الظاهر ممزوجا بالماء يشفي هذا النوع منا ألأمراض على حد نصائح بعض السيدات .
- يا خالة هذه أوساخ، الجرح يلزمه التطهير ، أدوية طبية لا هذه الأشياء. قلت بقلب يمتعض حسرة
- من أين لي بثمن الأدوية والفحوصات الطبية . قالت بعينين دامعتين
- المستشفى العمومي .ألم تفكري فيه ؟
- هل المستشفى العمومي مجاني؟
- تدفعين ورقة الاحتياج .أليس كذالك ؟
- هل الحصول على ورقة الاحتياج أمر سهل ؟
جوابها مقنع حقا؟ فكم ورقة لغرض ما .لا تتسلمها إلا بالمقابل ، حتى إن كنت حذقا . على دراية بمجرى ألأمور الإدارية ،ونطقت بما يشبه التنبيه .فتحتَ عليك باب التسويف لا خروج منه إلا بحركة عنيفة ..
شرد ذهني ثانية، فاستعرضت المخيلة صورة زيارتي لزميلة لي في الفصل، أصيبت بنزلة برد خفيفة ،
دخلتُ من الباب إلى حضن حديقة تزهو بأشجار الفواكه ،فناء الدار مكسو بأنفس الطنافس، وصلتُ الغرفة ، المريضة على سرير أفرشته حريرية ، مسنده على وسادتين صوفيتين .خصلات ناعمة تتدلى على وجه تضيئه لمسات راحة البال، تداعب مجلة نسائية .. في الجهة اليمنى مائدة تزينها مزهريات الورد الطبيعي، في الناحية الأخرى طبق بصنوف الفواكه ، الأدوية على مقربة منها ، ممرضة تراقب حركاها وسكناتها . تكفكف رذاذها بمنديل إن عطست…جلستُ هنيهة ..انتقلت إلى غرفة الضيافة خلف جدرانها الزجاجي الشفاف أرض خضراء، تتوسطها نافورة يحيط بها سرب طاووس..مجمعات الزهور…
تخيل معي المرض والمرض، الدواء والدواء، سرب الطاووس وسرب الصراصير..
أدخلت يدي إلى حافظة نقودي ، ناولتها ما يحتمه الواجب.. ودعتها..ثم خرجت بتوأدة..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khatab38.forumslog.com
 
مدن تحت المجهر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الوادي  :: عالمي :: أحلام-
انتقل الى: