الوادي

الحياة خبر كويس وآخر سيء
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
نوفمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930   
اليوميةاليومية
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث

شاطر | 
 

 نصان لشارل بودلير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد خطاب
Admin


عدد المساهمات : 148
نقاط : 441
تاريخ التسجيل : 21/07/2009

مُساهمةموضوع: نصان لشارل بودلير   الإثنين ديسمبر 21, 2009 2:48 pm

الساعة

يرى الصينيون الساعة في عيون القطط.
ذات يوم، لما كان أحد المبشرين يتنزه في ضواحي نانكين، فطن إلى أنه كان قد نسِيَ ساعته، فسأل طفلاً صغيراً كم تكون الساعة.
تردد غلام الإمبراطورية الإلهية أول الأمر، ثم أجاب، يغير رأيه: "سأخبركم بذلك" ظهر الغلام بعد لحظات قليلة، يمسك بين يديه، هراً قوياً ضخماً، ينظر إليه، حسب الرواية، وجهاً لوجه، فأكد دون أن يتردد: "ما زالت الظهيرة لم تحن تماماً"؛ وهو ماكان صحيحاً بالفعل.

أما أنا؛ فإن أملْ نحو فيلين الرائعة، المذكورة باسمها تحديداً، والتي هي في آن، تشريف لبنات جنسها، وكبرياء لقلبي، وعطر لروحي، آناء الليل وأطراف النهار، على حد سواء، في غمرة الضوء، أو في الظل الكامد، وفي عينيها الطريفتين... إن أملْ نحوها، أرَ الساعة دائماً بجلاء، ودائماً هي هي، ساعة رحبة، جليلة، واسعة كالفضاء، بدون تقسيم للدقائق والثواني، ــ ساعة ثابتة، لم يُعَلّمْ عليها في ساعات الجدار، على أنها خفيفة مثل آهة، سريعة كلمح البصر.

ولو جاء أحد المزعجين ليضايقني أثناء الوقت الذي يتأمل فيه نظري ميناء الساعة المبهج هذا، ولو جاء بعض الجنيين غير النزهاء، والمتشددين، وبعض الشياطين في وقت غير مناسب، ليسألني: "ما الذي ترى هناك، بعناية مفرطة؟ عمّ تبحث في عيني هذ االكائن، هل ترى الساعة فيهما، أيها الإنسان السفيه والخامل؟" سوف أجيبه بلا تردد: "أجل، أرى –فيهما - الساعة، لقد حان الخلود."
أليس كذلك، سيدتي، ها هي ذي أمدوحة غزلية، آتية إليك، جديرة حقاً بالثناء، ومفخّمة، أيضاً مثلك بالذات؟
حقاً، إنني قد سُررتُ كثيراً بأن أوجِز لكِ هذا التغزل المتكلف، الذي لا أطلب منكِ بديلَه شيئاً.



المقامر السخي

أحسستُ أمس بكائن خفي يحتكّ بي عبر حشود المارة بالشارع، كنتُ دائماً أتشوق إلى معرفته، وقد عرفتُه على التو؛ ولو أنني لم أره قبل ذلك.
أما هو؛ فمازال ينتابه تشوق مماثـل، فيما يتعلق بي. وفي الواقع، رمش إليّ من طرف خفيّ؛ وهو يمر، رمشة ذات مغزىً سارعتُ إلى الإذعان إليها، تتبعتُه بانتباه، وسرعان ما انحدرتُ وراءه نحو بهو تحت الأرض، فاتن، يشع فيه ترفٌ ربما لا يستطيع أي بيت من البيوتات الراقيات في باريس أن يتجهز بمثال يقاربه.
بدا لي غريباً أنني قد مررتُ أحيانا كثيرة، بجانب هذا الوكر المدهش دون أن أهتديَ إلى مدخله. وما انفكّ يسود فيه جو ودّي، ومع أنه خلاب؛ فهو يكاد ينسيك فورا، كل أهوال الحياة المُضْجِرة، ويظل المرء يتنسم فيه غبطة كئيبة شبيهة بالغبطة التي استمر يكابدها الآكلون من وردة النيل لمّا أحسوا؛ وهم ينزلون في جزيرة مسحورة، مضاءة بشموس ِ هاجرة ٍ أبدية، لمّا أحسوا تتولد فيهم الرغبة، برقرقات شلاّلات رخيمة مهدهدة، في ألاّ يعودوا أبداً إلى آلهة مساكنهم وأولادهم، وألاّ يصعدوا مجدّداً فوق الأمواج العالية للبحار.
كان في الوكر وجوه رجال ونساء غرباء، موسومون بجمال أخّاذ؛ وإن كان يبدو لي أنني قد رأيتُهم بعد، في عهود وبلدان ما زال مستحيلاً عليّ أن أتذكرها تماماً، وبالأحرى، كانت تلك الوجوه تلهمني ودّاً أخوياً يولدُه هذا القلق عادة في صورة المجهول. فلو حاولت أن أحدد تعبير نظراتهم غير العاديّة، بأي وسيلة من الوسائل، لقلت إنني لم أر أبداً تلك العيون تتلألأ تلألؤاً من جراء هول الملل، والحرص الدائم على الإحساس بالعيش.
أكلنا وشربنا بإفراط،، من جميع أنواع الأنبذة الممتازة.
وكان يبدو لي، بعد ساعات عديدة، أن الشَّمول مازالت تذهب به، أكثر ما ذهبت بي، الشيء الذي يكاد يكون غير عاديّ، والحال أن لعبة القمار، تلك اللعبة الفوق طاقة البشر، كانت تتخلل في مختلف فترات الاستراحة، إسرافنا المتكرر في اغتباق الراح، ولابد أن أقول إنني قامرتُ فضيعتُ روحي باتباع شروط وآداب الكسب من أجل الكسب وباستهتار وحماقة متهورين. فالروح شيء غير ملموس، وفي الغالب، غير مفيدة، وأحياناً مزعجة؛ وإن لم أكابد بالنسبة لهذه الخسارة التي مُنيتُ بها سوى أقل تأثير من ذلك التأثير الذي أكابده لو ضيعتُ في نزهة، بطاقة زيارتي.

دخنّا طويلاً بضعة سيجارات من نوع السيجار، نكهته وعطره، لا مثيل لهما كانا يبثان في النفس حنيناً وتوقاً إلى البلدان، وإلى فرص السعادة المجهولة. لقد تجرأتُ لما انتشيتُ بكل هذه المباهج، على التمهيد للألفة بيننا؛ ولم يبد له ذلك التمهيد مزعجاً، فصرختُ مستولياً على كأس مليئة حتى الثمالة: "على نخبك الخالد، أيها الشيطان العجوز!"
تحدثنا كثيراً عن الكون ونشأته، وفنائه المقبل، والفلسفة الشاغلة للعصر، أعني فلسفة التقدم والاكتمالية، وعلى العموم، تحدثنا عن جميع أشكال التبجح البشري، وحول هذا الموضوع بالذات، لم ينضب معين الشيطان الرجيم من المفاكهات الخفيفة التي يتعذر بعضها، وكان يُبين عن أمهات أفكاره، بلطافة إلقاء، وبهدوء في طرافة، لم أعهدهما في أي واحد من أشهر المحدثين في الإنسانية. فقد شرح لي لامعقولية مختلف الفلسفات التي كانت حتى الآن، تهيمن على العقل البشري؛ بل تفضل الرجيم ليُسرّ إليّ ببعض المبادئ الأساسية التي لا يلائمني أن أقتسم فوائدها وملكيتها مع أي كان. ولم يشتك بأي حال من الأحوال، من سوء السمعة التي يتمتع بها في جميع أجزاء المعمور، بل أكد لي أنه كان هو بالذات الشخص الأكثر اهتماماً بتخريب الخرافات ودحضها، فاعترف لي أنه لم يخش نسبياً على سلطانه، إلا مرة واحدة، وكان ذلك يوم سمع فيه واعظا من أمهر الزملاء الوعاظ يصيح من أعلى المنبر: "إخواني الأعزاء، لا تنسوا أبداً عندما تسمعون تمجيد الناس لتقدّم المعارف، أن أبرع مكائد الشيطان، هو أن يُقنعكم بأن ذلك التقدم لا يوجد".
قادنا ذكر هذا الخطيب الشهير، بطبيعة الحال، إلى موضوع الأكاديميات، فأكد لي مضيفي الغريب أنه كان لا يأنف في كثير من الأحوال من أن يلهم قلم وكلام وضمير المربي تعاليمه، وأنه يكاد يحضر بنفسه، في جميع المناقشات الأكاديمية؛ وإن كان لا يدرى شخصه ورسمه. ولما شجعتني طيبوبته المفرطة على الكلام، سألته عن أخبار الله، وهل رآ ه هذه الأيام الأخيرة، فأجابني بعدم اكتراث مشوب ببعض الحزن: "إننا نتبادل التحية عندما نلتقي بيد أننا كـنبيلين راسخين في النبالة، قد لا تستطيع لباقة فطرية أن تخمد فينا كليا ذكرى أحقاد قديمة".
يصعب التصديق أبداً أن الشيطان الرجيم قد خص شخصاً عادياً بجلسة طويلة، وقد خشِيتُ أن أنخدع بتلك الطيبوبة المفرطة. وأخيراً، شرع، كالفجر المرتعش، يخطط يباضاً على زجاجات النوافذ... قالت لي هذه الشخصية الشهيرة التي تغنى بها كثير من الشعراء، وخدمها كثير من الفلاسفة الذين يشتغلون على تمجيدها دون معرفتها: "أريد أن تحتفظ مني بذكرى طيبة، وأن تبرهن أن أنا توصف في أقوالكم بكثير من الشر؛ فأنا أحياناً لوام ناه، لانتفاعي بإحدى عباراتكم البذيئة. وللتعويض عن الخسارة التي لا تقدر بثمن، التي مُنيتَ بها في ضياع روحك في القمار، أهب الرهان لك أنك سوف تكسب، إذا كان حسن الطالع لصالحك. أعني إمكانية الخسارة والربح، خلال حياتك كلها، وأن داء السوداوية العجيب هذا، لهو أصل جميع أمراضك، وأصل جميع انتكاساتك. ولن تخالجك أبداً رغبة إلا وساعدتك على تحقيقها، ولتسودنّ على جميع أندادك من السوقة، وستزجى لك المدائحُ؛ بل أناشيدُ الهُيام بك، حتى العبادة، فسيسعـى إليك المال، والذهب، والجواهر، والقصور الفاتنة، منقادة إليك، وستترجّاك أن تتقبلها، دون أن تكون أنت قد قمت بمجهود لكسبها، وستنتقل إلى وطن آخر، إلى قطر آخر، كما سيأمرك به هواك غالباً، وستسكر بالملاذ الشبقية دون ملل، في بلدان فاتنة حيث الجو حار دائماً، وحيث تتضوع النساء أيضاً طيباً كالأزهار". وأضاف وهو ينهض مؤذناً بالانصراف، في بسمة ملائمة "إلـــى آخره، إلـى آخره..."
لولا مخافة الخزي أمام محفل مهيب، لوقعتُ طوعاً عن رضى ساجداً أمام هذا المقامر السخي لأشكره على سخائه الحاتمي، لكن بعد أن غادرته، خامرني الارتياب الشديد في أمره شيئاً فشيئاً؛ لم أتجرأ على أن أصدق كلامه عن سعادة خارقة للعادة، وما فتئت أصلي من خلال ما تبقى لي من عادة بلهاء، مرتعداً، فأخذتُ أردد؛ وقد أخذتني غفوة من النعاس: "إلهي، رباه، يا إلهي! إجعل الشيطان يفي بوعده".

محمد الإحسايني / كاتب من المغرب
ihsaini@menara.ma
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khatab38.forumslog.com
 
نصان لشارل بودلير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الوادي  :: عالمي :: أحلام-
انتقل الى: