الوادي

الحياة خبر كويس وآخر سيء
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
نوفمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930   
اليوميةاليومية
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث

شاطر | 
 

 سيناريو: سينما باراديزو CINEMA PARADISO By Giuseppe Tornatore

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد خطاب
Admin


عدد المساهمات : 148
نقاط : 441
تاريخ التسجيل : 21/07/2009

مُساهمةموضوع: سيناريو: سينما باراديزو CINEMA PARADISO By Giuseppe Tornatore   الأربعاء ديسمبر 23, 2009 4:19 pm

عرض فيلم سينما باراديزو للمرة الأولى داخل ايطاليا عام 1988 بنسخته الأصلية التي سميت فيما بعد نسخة المخرج. وهي نسخة يستمر عرضها 168 دقيقة. فيما بعد طلب المنتج، فرانكوكستالدي من مخرج الفيلم قطع مجموعة مشاهد ليتمكن من عرضه خارج ايطاليا والاشتراك في مهرجانات مختلفة. وهكذا أصبحت مدة العرض التي شاهدها العالم 118 دقيقة، أي بحذف 50 دقيقة من النسخة الأصلية. لم يكن المخرج سعيداً بهذا الوضع، رغم الجوائز العديدة التي نالها الفيلم من أكثر من مهرجان عالمي. إلاّ أنه كان مديناً لكوستالدي لمنحه فرصة الإخراج الأول لفيلم طويل بعد أن كان قد أخرج فقط فيلماً واحداً محليّاً قصيراً للتلفزيون.

عندما قرّرت ترجمة هذا السيناريو، شعرت أنه من حق الفنان تورناتوري علينا أن نقوم بنشر نسخته الأصلية التي أحبها، وإن كانت طويلة. لأن هذا النص هو الذي يتضمن رؤيته الكاملة لتطوّر شخصية سلفاتوري وعلاقتها بالهاجسين المسيطرين عليه: شغفه بالسينما، وحبه لإيلينا.

1- جيانكالدو - منزل والدة سلفاتوري- خارجي/داخلي- نهارا

تشقّ شمس أكتوبر طريقها عبر الغيوم الرمادية، مجتازة الظل باتجاه البحر، حيث الشاطئ الذي بنيت عليه الضواحي الجديدة لبلدة جيانكالدو.

يتدفق النور المشعّ عبر النوافذ، مرسلا على الجدار الأبيض أشعة منعكسة تكاد تعمي العيون. تحاول ماريا، امرأة تجاوزت الستين من العمر بقليل، أن تعثر على شخص ما عبر الهاتف.

ماريا: ... سلفاتوري، هذا صحيح، سلفاتوري. دي فيتا سلفاتوري.... ولكن، يا آنسة، ماذا تعنين أنك لا تعرفينه؟... أنا.... نعم.... (تزفر بعصبية. لقد حاولت الاتصال بعددٍ لا متناهٍ من الأرقام، ولكنها لم تتمكن حتى الآن من مخاطبة السيد دي فيتا. أخيراً تتنهد مرتاحة.) هذا صحيح، حسناً فعلت! أوه!... نعم... أنا والدته، أنا اتصل به من صقلية. قمت بالمحاولة طوال النهار... آه، إنه ليس هناك... ولكن من فضلك.

هل يمكن إعطائي....؟ ... حسناً...

(تومىء لامرأة أخرى في نحو الأربعين من العمر تجلس بقربها: إنها ليا ابنتها، التى تدوّن الأرقام التى تمليها والدتهاSmile ستة، خمسة، ستة، اثنان، اثنان، أوه، ستة.... شكراً جزيلاً لك... مع السلامة. مع السلامة. ترفع السماعة، تأخذ الرقم الذي دونته ليا وقد صممت أن تحاول مرة أخرى. تخاطبها ليا وكأنها تخاطب طفلة، لكى تقنعها.

ليا: انظري، يا أماه.... من العبث الاتصال به. سوف يكون مشغولاً جداً، ولا يعرف إلا الله مكانه. بالإضافة إلى ذلك فإنه حتى قد لا يتذكر. افعلي ما قلته لك، انسي الموضوع.... لم يأتِ إلى هنا منذ ثلاثين عاماً. تعرفين نوعيته.

تتوقّف ماريا لتعيد النظر. القرار الذي ستتخذه مهمّ. ثم، بعناد.

ماريا: سوف يتذكر! سوف يتذكر!

(تضع نظارتها وتبدأ في طلب الرقم.)

.... أنا متأكدة. أنا أعرفه أكثر منك. لو نمى إليه إننا تمنّعنا عن إبلاغه النبأ، سوف يغضب كثيرا. أعرف ذلك.

(تخلع نظارتها)... مرحبا؟ صباح الخير. هل يمكنني التكلم مع السيد سلفاتوري دي فيتا. أنا والدته...

2. روما- شوارع- خارجي/داخلي- ليلاً

الوقت متأخر، ولكن حركة المرور في الشوارع ما زالت مستمرة باتجاه مركز المدينة. وراء مقود سيارة فارهة رجل قارب الخمسين من العمر. إنه سلفاتوري دي فيتا. أنيق، أخذ شعره يتلون باللون الرمادي، وجهه وسيمٌ بدأ يتجعّد. تعبيراته المتعبة تخفي شخصيته العنيدة، الواثقة من أدائها والتي لا يمتلكها إلا رجل صنع نفسه بنفسِه. لا ريب إنه مدخن شَرِه، كما نستنتج ذلك من طريقة تعاطيه المجّة الأخيرة من السيجارة التي أوشك على الانتهاء منها.

يقف بجانب ضوء أحمر. يرمي السيجارة ويرفع الشباك، عندما تتوقّف بمحاذاته سيارة فيات صغيرة. صوت موسيقى الروك يرتفع إلى أقصى مداه من الراديو. يستدير سلفاتوري غريزياً لينظر نحو الرجل الذي يجلس وراء المقود. صبي قد صفّف شعره إلى أعلى وفق آخر صيحات الموضة. يدرس بحماس زائد ولكنه بارد وخال من الفضول تعبيرات الصبي. تجلس الفتاة قربه. شعرها كثيف مجعّد، شفتاها حمراوان ممتلئتان، تردّ نظرات سلفاتوري بتحدٍّ. يلاحظ الصبي ذلك فيستدير نحو سلفاتوري بصوت واثق:

الصبي: هاي! ما الذي تنظر إليه؟!

ضوء أخضر. تنطلق سيارة الفيات الصغيرة، مخلفة وراءها شلالا من الموسيقى.

3- روما- شقة سلفاتوري- داخلي- ليلاً

الشقة فاخرة مفروشة بذوق رفيع. ليس هنالك من ينتظر سلفاتوري. عبر الصورة المرتسمة من خلال نافذة الشرفة، تمكن رؤية المدينة النائمة في الليل. يخلع سلفاتوري ثيابه وهو في طريقه إلى غرفة النوم. يتحرك ببطء وكأنه لا يريد إحداث ضوضاء. إنه حتى لا يضيء النور، وينهي خلع ملابسه في بريق الضوء الأزرق الشاحب الآتي من شبّاك الشرفة.

صوت حفيف، وحركة على السرير، صوت امرأة تستيقظ من النوم.

كلارا: سلفاتوري.... ولكن كم الساعة؟

تضىء المصباح بجانب السرير. إنها كلارا، سيدة شابة في نحو الثلاثين. يعتلي سلفاتوري السرير إلى جانبها مندسا تحت الغطاء، يقبّلها برقة، ثم يوشوشها.

سلفاتوري: الوقت متأخر، يا كلارا. أنا آسف، ولكنني لم أتمكن من إبلاغك لأنني لا أريد أن أكون قاسيا..

(يداعبها، ولكنه تعب، ويشعر برغبة في النوم.)

اخلدي إلى النوم الآن. نامي.

يستدير إلى جنبه الآخر. تغمض كلارا عينيها، وتوشك أن تسقط نائمة ولكنها تتكلم بصوت منخفض.

كلارا: اتصلت والدتك بالهاتف. ظنتني واحدة أخرى.

سلفاتوري (وقد أخذته المفاجأة) وماذا قلت لها؟

كلارا: قمت بدور الخرساء، حتى لا أخيّب أملها. تبادلنا محادثة قصيرة لطيفة. تقول أنك لا تذهب لزيارتها أبداً، وعندما تريد أن تراك عليها أن تحضر إلى روما... هل هذا صحيح؟

سلفاتوري لا يجيب. الله وحده يعلم كم مرة سمع هذا السؤال من قبل.

سلفاتوري: اتصلت لتقول ذلك فقط؟

تمد يدها لتطفىء النور، تدفن رأسها في المخدّة.

كلارا: قالت أن رجلا يدعى ألفريدو قد مات، وتقام مراسم الدفن بعد ظهر الغد...

(نظرة غريبة ترتسم فجأة في عيني سلفاتوري. فكرة الخلود إلى النوم فارقته بوضوح. إنه نبأ لم يتوقّع سماعه حمله بعيداً خارج المكان. كان بوّد كلارا أن تتابع الحديث ولكن النعاس جعل الأمر مستحيلا. كل ما استطاعته سؤال أخير بصوت خفيضSmile من هو هذا؟ قريب لك؟

سلفاتوري: كلا. نامي. اخلدى للنوم.

تسقط نائمة في صمت الليل الميت. ينتاب سلفاتوري نوع من القشعريرة، إحساس عميق، مقَلق. يحدّق عبر النافذة نحو المدينة بأضوائها المتلألئة التي مازالت تتحرك في الظلام وقد كساها فجأة ستار من المطر الكثيف. ولكنه يحدّق أبعد من ذلك، متجاوزاً صف البيوت، متجاوزاً السماء المظلمة؛ شبح ريح ترسل أنغاماً يعبُرُ وجهه مستدعياً ذكريات لا نهائية، جارّاً وراءه من أعماق النسيان السحيقة ماضياً كان يظنه اختفى، ومُسح نهائياً. وبدلاً من ذلك، ها هو يظهر الآن يعود إلى الحياة، يشعّ بالنور، ويفرض نفسه في ظلال المدينة التي هزتها العاصفة على تقاطيع وجه رجل في منتصف العمر، ويبقى حتى تتشكل صورة أخرى، صورة قديمة جداً، بعيدة جداً.

4- جيانكالدو- كنيسة وغرفة الأسرار- داخلي- صباحاً

صورة تعود إلى أكثر من أربعين سنة. في كنيسة جيانكالدو الباروكية، سلفاتوري في التاسعة من العمر، يرتدى ثياب صبي المذبح، يركع أمام المذبح يحمل في يديه جرسا فضياً صغيراً. جموع المصلين راكعة أيضاً. الكاهن يبارك الحشد.

كان سلفاتوري الصغير، وقد خرج لتوّه من السرير، ما زال نصف نائم، يتثاءب دون أن يلاحظ أن الكاهن يقف هناك مع الحشد في العراء، والجميع يحدقون به كأنهم يريدون أن يخبروه بشيء ما.

الكاهن: بسّ بسستّ

ينهي سلفاتوري تثاؤبه، وإذ يفتح عينيه يتلقي نظرة الكاهن المؤنبة. تصله الرسالة فوراً، فيقرع الجرس. الآن يستطيع الكاهن أن يتابع، يرفع الكأس ويُسمع الجرس ثانية.

قطع إلى:

ينتهي القداس. الكاهن في غرفة الأسرار يخلع ثيابه. وسلفاتوري هناك أيضا، ينزع ثوب صبي المذبح.

الكاهن: ولكن كيف يمكنني أن أجعلك تفهم؟ بدون الجرس لا استطيع المتابعة! أنت دائما نصف نائم! ماذا تفعل ليلاً على أى حال؟ تأكل بدلاً من أن تنام؟

سلفاتوري: يا أبتاه، في بيتنا نحن لا نأكل حتى وقت الظهيرة. لذلك فأنا دائماً تعس. هذا ما يقوله طبيب البلدة.

ينتهي الكاهن من خلع ملابسه. يأخذ الجرس الذي كان يحمله سلفاتوري أثناء القداس ويستدير ذاهباً.

الكاهن: حسناً يا توتو، تحركّ، لدّى ما أفعل، بلّغ سلامي لوالدتك.

سلفاتوري: هل باستطاعتي....

الكاهن (مقاطعاً إياه) ولا تسألني إن كان بإمكانك المجيء.... لأنه ليس بإمكانك!! شوو، شوو، انطلق بعيداً!! يرفع سلفاتوري كتفيه وينطلق. يهبط الكاهن عبر ممر، يفتح باباً، ممراً آخر، ثم باباً آخر يؤدي إلى ساحة خارجية. يجتازها ويختفي عبر باب أخير.

5- سينما باراديزو وغرفة عرض- داخلي- صباحاً

يدخل الكاهن صالة دار سينما. ليست بالصالة الكبيرة . مائتا كرسي في الصالة وسبعون في الشرفة. على امتداد الجدران، ثُبتّت بين الأضواء ملصقات أفلام ستعرض لاحقا. في إحدى الزوايا تمثال للعذراء مريم عليه أزهار. السيدة التي تقوم بالتنظيف أنهت عملها وهي تغادر المكان. في أعلى الشرفة، وفوق الصف الأخير من المقاعد، تُشاهد كوّات حجيرة العرض التي تسلّط عبرها الأضواء على الشاشة. الكوّة الوسطى يخفيها رأس ضخم لأسد يزأر مصنوع بأكمله من الجصّ، فيما تمكن رؤية عدسة آلة العرض من بين أسنانه الحادة.

هنالك كوتان أصغر حجما يمكن أن نرى من خلالهما وجه رجل يظهر ويختفي... إنه ألفريدو، الرجل الذي يشغّل العرض. إنه يقارب الأربعين من العمر، نحيل القوام وله وجه فلاح شديد البأس. انتهي من تجهيز آلة العرض وأخذ يتفحصّ الكربون في أشعة المصباح. ثم ينزع الزجاج من إحدى الكوتيّن وينظر إلى أسفل باتجاه الصالة حيث يرى الكاهن الذي يلوّح له بيده.

الكاهن: حسناً يا ألفريدو يمكنك البدء.

يجلس لوحده في منتصف القاعة الخالية. وفي غرفة العرض أعلى القاعة يضيء ألفريدو أشعة المصباح ويدير آلة العرض. في الأسفل في قاعة السينما، تطفأ الأضواء وتخرج من فم الأسد الأشعة المشعّة متدفقة باتجاه الشاشة. موسيقى الوتريات، عذبة ومنذرة بالسوء تنتشر في القاعة. وعلى الشاشة تبدأ عناوين فيلم أميركي إنتاج الأربعينيات. يقطّب الكاهن وجهه ويحمل الجرس بيده اليمنى وقد استند إلى ذراع الكرسي.

في خلفية القاعة، خلف الصف الأخير من المقاعد، تتحرك ستارة، فتفتح شقاً يظهر منه وجه سلفاتوري الصغير الهزيل. لقد تمكن من التسلل إلى الداخل بطريقة ما، وهو يقف هناك لا ينطق بكلمة، مذهولاً، وهو يراقب الفيلم على الشاشة المتلألئة. اسماء العاملين في الفيلم جاءت وذهبت منذ وقت طويل. والقصة الآن في لحظة حرجة.

أعلى القاعة في غرفة العرض بالقرب من الأسد، يشاهد ألفريدو الفيلم، ولكن عينيه ما تفتآن تنظران إلى أسفل نحو الكاهن، الذي يضرب بأصابعه على الجرس. وعلى الشاشة يتحرك الرجل والمرأة، نجمان من نجوم هوليوود، في لقطة مقرّبة؛ الحوار عاطفي جداً، رومانتيكي.

سلفاتوري، المأخوذ بهذه الوجوه، وبطريقة كلامها، وبجمال المرأة، ينزلق ببطء على طول الستارة حتى يفترش الأرض وقد تسمّرت عيناه على الشاشة.

يصل مشهد الحب إلى الذروة، وتصل الموسيقى إلى أعلى قمتها، وأخيراً يتعانق المحبانّ ويغيبان في قبلة. يرفع الكاهن غريزيا الجرس في الهواء، مثلما يحصل في احتفال قديم، يقرعه بصوت عالٍ... يسمع ألفريدو الجرس وهو في غرفة العرض، إنها الإشارة التي كان ينتظرها. يأخذ قطعة ورق من رزمة مخصصة لذلك ويلصقها على شريط الفيلم الذي يحتوي ذلك المشهد الخاص. وفيما هي تلف على الدولاب. يتابع العرض....

... وكذلك قبلة الممثلين. نظرات الكاهن العصبية تستقر على الشفاه البيضاء والسوداء التي تلاقت. ثم تتباعد قسراً عند آخرمظهر للحب بدا قبل الفراق. يفتح سلفاتوري عينيه على وسعهما، فهو ربما لم يرَ رجلاً وإمرأة يقبلان بعضهما من قبل.

إنها رؤية تحمل في طياتها كل جاذبية الفاكهة المحرّمة، ورعب الخطيئة. تمتليء الشاشة الآن بجسد إمرأة تخلع ملابسها، كاشفة للحظة اللحم الأبيض الشهواني لكتفيها العريضين العاريين. يحملق سلفاتوري فاغراً فاه دهشة. يمسك الكاهن الجرس بغضب عارم ويهزّه بكل ما أوتي من قوة. من صوت الجرس ننتقل إلى صوت آخر....

6- جياناكالدو- الساحة الرئيسية- خارجي- نهاراً

يسمع قرع جرس البرج في أنحاء الساحة. الوقت ظهراً. تعّج الساحة الرئيسية الواسعة، الشاحبة، المغبرة، بالناس، مما يضفي عليها شيئاً من الحيوية. ينتظر صف طويل من الرجال والنساء والبقر دورهم قرب النبع للحصول على الماء.

ينادي البائعون المتجولون على بضائعهم بصيحات حزينة. يتحرك الناس ذهاباً وإياباً أمام ساحة المدينة. نادي الرجال العاملين يبدو مهجوراً، ومدخل سينما باراديزو مقفلاً. في الخارج مازالت صور الفيلم الذي عرض على الشاشة معلّقة. وفي أعلى المكان، شبابيك غرفة العرض ما زالت مفتوحة. همهمات عامل العرض ما زالت تسمع مرتفعة، وكذلك موسيقي الختام العالية المعتادة. ثم سكون يشبَه سكون الموت بعد أن يتوقف العرض.

7- سينما باراديزو- غرفة العرض- داخلي- نهاراً

بالرغم من السرعة، فهنالك خطوط بيضاء تغزل حول البكرة، بسبب قطع الأوراق التي أدخلها ألفريدو في الفتحة. إنه يلف الفيلم بيده على بكرة خاصة به. عندما لا يتكلم ألفريدو فإنه يغني لنفسه. يقف سلفاتوري بجانب ألفريدو مراقباً كل ما يفعله بعينيه السريعتين المتلصصتين.

ألفريدو (صارخاً بحدّة): يجب أن لا تأتي إلى هنا! كم من مرّة يجب أن أقول لك؟

(ويبطئ حركة البكرة بيده. حيث تصبح قطع الأوراق على وشك الوصول. ها قد وصلت الأولى.). إذا التقط الفيلم النار، وأنت هنا، فسوف تصبح جزءاً من اللهب المتفجر... هو ووش! وتحول إلى قطعة من.....

سلفاتوري (يقاطعه)... وأتحول إلى قطعة من الفحم!!

لقد تعوّد على إرهابه، ولم يعد يعره أي اهتمام. وحتى نظرته المتجهمة لم تعد تخيفه. على أي حال، فإن ألفريدو يلتقط الدعابة، ويتظاهر بصفعه. ولكنه بدلاً من ذلك يلتقط المقص.

ألفريدو (غاضباً) يا إلهي، إن لك لساناً صغيراً سليطاً! انتبه، وإلاّ فإنني يوما ما سوف أقطعه لك.

يقطع جزءاً من الفيلم، ويلصق الطرفين معاً ثم يتابع تحريك يد البكرة. يلتقط سلفاتوري قصاصة الفيلم ويلقي عليها نظرة مقرّبة. يرى مجموعة إطارات متشابهة فيها رجل وإمرأة يقبلان بعضهما.

سلفاتوري: هل بإمكاني أخذها؟

يختطف ألفريدو القصاصة من يده غاضبا ويصرخ بأعلى صوته:

ألفريدو: كلا!!! هل أنت أطرش أو ما شابه ذلك؟ علّي أن أعيد هذه إلى مكانها عندما ألف الفيلم مرة ثانية! إنك فعلاً لمزعج جداً!

يمد سلفاتوري يده إلى سلة مليئة بقصاصات أفلام. يأخذ منها كمشة: كلها لقبلات قد قطعت.

سلفاتوري: إذاً لماذا لم تعد هذه إلى مكانها عندما أعدت لفّ الأفلام مرة ثانية؟

لقد ضُبط ألفريدو. يوقف الفيلم حيث ألصقت قطعة أخرى من الورق ويقطع المشهد.

ألفريدو: لأنك في بعض الأحيان لا تستطيع أن تجد المكان الصحيح مرة ثانية. وهكذا. حسناً، بالفعل.... تبقى هنا.

(يحاول إيجاد عذر)

بالإضافة إلى ذلك، فهنالك عدد من القبلات أكثر مما نستطيع أن نحصي.

سلفاتوري (متحمساً): إذاً باستطاعتي الحصول على هذه؟

(ينفجر ألفريدو، يرمي البكرة بعيداً.. يمسك بسلفاتوري من كتفيه ويهزّه.)

ألفريدو: انظر، يا توتو، قبل أن أركل قفاك فتطير إلى الصين وتعود، دعنا نجري اتفاقاً. هذه القصاصات الموجودة هنا هي لك، سوف أعطيها لك. ومع ذلك! أولاً، لا تحشر أنفك هنا مرة ثانية.

ثانياً، سوف أحتفظ بها لك، لأنك لا تستطيع أن تأخذها إلى المنزل. فهي لا سمح الله ولينقذ روحنا، إذا ما التقطت النيران، فإن جهنم كلها سوف تُطلق من عقالها! موافق؟ أوه!! والآن افرنقع! يمسك به ويديره نحو السلالم. بالنسبة له انتهت القضية. يعود إلى آلة لف الفيلم. يرجع سلفاتوري ويتسلل عائداً بينما ينصبُّ انتباه ألفريدو على مكان آخر، يختطف كمشة من مشاهد الأفلام المتبعثرة على النضد، ويكدسها في جيبه و...

سلفاتوري: أي نوع من الاتفاق هذا؟ القصاصات ملكي! إذن لماذا لا أستطيع الحضور لمشاهدتها؟

ثم يحملق بألفريدو بنظرة محتالة، مراوغة. يجهز ألفريدو قبضته، ويتجه بسرعة كالسهم وهو على وشك ركله في مؤخرته. يصرخ:

ألفريدو: اخرج!! ولا ترني وجهك هنا مرة ثانية. وقبل أن تصل الركلة إلى هدفها، يكون سلفاتوري قد أسرع بالهروب إلى أسفل السلم اللولبي.

8- جيانكالدو- منزل سلفاتوري- داخلي - مساءً

لم تكن هذه السرقة الأولى لقصاصات الأفلام. يتناول سلفاتوري علبة من المعدن مزركشة برسوم الأزهار وممتلئة بقصاصات الأفلام. يأخذ بضعة مشاهد ويحملها أمام لمبة الكاز. يحدّق في الأشكال التي تذكره بالأفلام التي رآها في سينما باراديزو، وبصوت منخفض يخلط معها أجزاءً من الحوار، صوت إطلاق الرصاص، الذروات الموسيقية...

سلفاتوري: بانغ! بانغ! بانغ! أطلق الرصاص أولاً، ثم فكّر فيما بعد! هذا ليس عملاً للضعفاء! أيها الكلب الخائن!

لا أضواء في المنزل، إنه مكفهر وبارد. والدة سلفاتوري، ماريا، تنحني على المائدة أمامه. إنها شابة في حوالي الثلاثين من العمر ووجهها الجميل منهك خطّت عليه التضحيات آثارها. تخيط بعض الملابس فهي تعمل خياطة. تنام شقيقته ليا البالغة الرابعة من عمرها على أريكة في إحدى الزوايا. ويقوم ضوء الكاز بعرض الظل المرتجف لقصاصات الأفلام على الحائط، أشكال غابات، رماة بنادق، قطّاع طرق. يتبدّل صوت سلفاتوري، فيصبح أقسى من ذي قبل.

سلفاتوري: هاي أنت هناك، أنت يا ابن الحرام الحقير، أبعد يديك عن ذلك الذهب، أيها الخنزير الأسود القلب، ابعد عني، أو سأسحق وجهك! نتنتتاه!!!...

(في كومة المشاهد السينمائية هنالك أيضاً العديد من الصور. يلتقطها سلفاتوري. تذكارات عائلية. رجل في ملابس الجيش. ثم نفس الرجل مصحوباً بفتاة بجانبه ذات وجه مبتسم. نلاحظ أنه وجه ماريا. ينظر سلفاتوري عن قرب إلى وجه الرجل، ثم يوشوش والدتهSmile

يا أمي، إذا كانت الحرب قد انتهت، فلماذا لم يعد والدي أبداً؟

تنظر ماريا إليه بابتسامة حلوة.

ماريا: سوف يعود، سوف يعود... سوف ترى. أحد هذه الأيام... ولكن لا نرى اقتناعاً كبيراً مرتسماً، على وجهها. تعود وتنظر إلى أسفل نحو خياطتها. يتابع سلفاتوري النظر إلى الصور.

سلفاتوري: لم أعد أذكره بتاتاً- يا أماه، أين روسيا؟

ماريا: تحتاج إلى سنين لتصل إلى هناك. وسنين لتعود...

الآن اذهب للسرير، توتو، الوقت متأخر.

9- مدرسة ابتدائية- الباحة- خارجي- نهاراً.

تتحرك مجموعة صاخبة من الأولاد الصغار في مراييل سوداء، لها ياقة بيضاء وربطة زرقاء، حول الباحة الواسعة حيث توجد شجرتا نخيل. يتجه الصبيان نحو أحد الأبواب، والبنات نحو الباب المقابل.

يصفهّم الناظر اثنين اثنين جاهزين للدخول. يرافق الأهالي والأقارب هنا وهناك الصغار منهم. تحت إحدى شجرتي النخيل يخلع سلفاتوري ثوب صبي المذبح، ويدفعه إلى داخل الحقيبة الكرتونية المدرسية ذات اللون الكاكي. يخرج مريلته، ويلبسها بينما يمر أحد زملائه بقربه. وهو يبكي بحرقة لأنه لا يريد الذهاب إلى المدرسة. إنه ماسيمو، يجره أبوه وراءه وهو يصرخ:

والد ماسيمو: بإمكانك استغفال والدتك ولكن ليس أنا!

احصل على دبلوم لعينة وحاول أن تصبح شرطياً. أنت لا تصلح لشيء!

ماسيمو: لا أريد الذهاب إلى المدرسة.

(صوت الجرس. تتحرك الصفوف السوداء إلى أعلى باتجاه المدرسة.)

10- الصف الرابع- داخلي- نهاراً.

يجلس سلفاتوري إلى مقعد في الصف الأمامي بجانب ببينو، ولد صغير بوجه منمّش. انتباهه منصب على ما يجري على اللوح مثل كل طلاب الفصل. يقف الأستاذ هناك، يراقب صبياً صغيراً ممتلىء القامة، خجولاً لا ينتبه بكليّته لما يدور في الفصل، ويقوم بحل عددين في الضرب المزدوج. إنه نيقولا سكورسون المعروف بلقب»كولا«. وجهه أحمر، له أذن أرجوانية وأخرى بيضاء. يحملق برعب إلى »552 51« المكتوبة على اللوح. تصرخ المعلّمة، وهي تلوح بعصا في يدها.

المعلّمة: حسناً إذاً؟! خمسة ضرب خمسة تساوي....؟

يتوقف كولا ليفكر لحظة، ثم...

كولا: ثلاثين!

تمسكه المعلمة من أذنه الأرجوانية وتضرب رأسه بالأرقام المكتوبة على اللوح. يسمع صدى الاصطدام في كافة أرجاء الغرفة يتبعه زئير الضحكات.

تضرب المعلمة بعصاها.

المعلمة: سكوت!! (ثم مخاطبة كولا)

جدول الخمسة. أيها الغبي! واحد ضرب خمسة. خمسة!!

(يردد الصف مع المعلمة بكورس غنائيSmile

المعلّمة والصف: اثنان ضرب خمسة، عشرة! ثلاثة ضرب خمسة، خمسة عشر! أربعة ضرب خمسة، عشرين (ملوحة بالعصا، تسكت المعلمة الصف، وتنهي الأنغام بسؤال مميت.)

المعلّمة: خمسة ضرب خمسة؟

كولا: (خجلا) أربعين،...؟

ضربة أخرى للرأس على اللوح. هو بوب. ضربة للعصا على المائدة. يعرض سلفاتوري بسرّية لكولا صورة لشجرة الميلاد على إحدى صفحات الكتاب، ويقول له بشفاهه كلمة »خمساً وعشرين. يبتسم كولا، وأخيراً التقط الموضوع.

الأستاذة: أسألك للمرة الأخيرة، أيها الرأس المسدود!

خمسة ضرب خمسة تساوي...؟

(يستدير كولا نحوها بعينين مبتسمتين ويجيب مسروراًSmile

كولا: عيد الميلاد!!

يمسك سلفاتوري رأسه غاضباً، يراقب المعلمة وهي تضرب كولا على ظهره بالعصا. يصرخ كولا عند كل ضربة، وعند كل ضربة يرتفع الضحك في الصف أكثر وأكثر.

يحدّق سلفاتوري بالعصا وهي تتحرك إلى أعلى ثم إلى أسفل بتقطيع موسيقي. لكنه لم يكن يفكر بالألم الذي يشعر به زميله، كان منجذباً أكثر نحو تلك الضربات المنتظمة، ويجدها مشابهة لضربات منتظمة أخرى، تلك الخاصة بـ...

11- سينما باراديزو- الشرفة والصالة- داخلي- نهاراً

... المسمار الدائر الذي يستخدمه ألفريدو ليفكك لفة فيلم ما لبثت أن فُرِّغت. يراقب سلفاتوري ألفريدو بكل حركاته وسكناته.

إنه ليس في غرفة العرض، ولكن في الشرفة، يقف أعلى آخر صف من المقاعد يسترق النظر من الكوّة المجاورة لرأس الأسد. عيناه الصغيرتان البراقتان تثبتان في عقله الأشياء التي يفعلها ألفريدو، وهو يفرّغ الفيلم في آلة العرض، يغلق العلبة غير القابلة للإحتراق، يدير مُكبّر الصوت، يتفحص الكربون في قوس اللمبة، ثم يخفض رأسه ليلقي نظرة على الصالة فيجد نفسه وجهاً لوجه مع سلفاتوري.

ألفريدو: (بصرامة): ماذا تفعل هنا؟

سلفاتوري: اشتريت تذكرة. جئت لأشاهد الفيلم.

(في هذه الأثناء يأتي المرشد ماشياً خلفه ويمسكه من ياقته، فيكاد يقفز خارج جلده. يضحك ألفريدو.)

المرشد (يصرخ): اذهب واجلس في الأسفل! أنت لا تصلح لشيء أيها الطفيلي (مخاطباً الحضور) إنهم أسوأ من الأرانب!

يركض سلفاتوري إلى أسفل. الطابق الرئيسي مزدحم أكثر من الشرفة، مثل كل أحد، وهنالك ضوضاء هائلة.

بائع الآيس كريم، والصودا والسكريات، يصرخ ويركض حول المكان كفرخة مذبوحة. تخفت الأضواء، تموت الضوضاء، ويبدأ العرض. قبل الفيلم تعرض مشاهد من فيلم (stage coach)(1) تمتلىء الشاشة بصور جون واين، ومطاردة العربة من قبل الأعداء الهنود... إلخ.

يجلس سلفاتوري في الصفوف الأمامية، مباشرة تحت الشاشة، بمحاذاة بوشيا، كولا، ماسينو، ببينو وصبيين آخرين، كلهم يرفعون أنوفهم في الهواء. بوكيا أكثر صبي مدّعٍ بين المجموعة، يدخن سيجارة. يظهر رجل عجوز من ستارة باب الدخول، يمشي خطوتين ويصرخSmile

الرجل العجوز الأول: مرحبا، جميعا!

الجمهور(مباشرة) سسسش!! سسسش! سكوت!

الرجل العجوز الأول: ألا يمكنني أن أقول مرحباً؟

المرشد: اليوم هنالك فيلمان روائيان.

الرجل العجوز الأول: لا يهمني بتاتا. لقد جئت إلى هنا لأنام. الجميع يردون مباشرة بجوقة من الصراخ والصفير تملأ الصالة. وعلى الشاشة، تظهر الكرة الأرضية تدور بين النجوم، الشعار الذي يعلن نشرة الأنباء المصورة.

الجمهور (يصيح معترضاً وآخذاً في الصفير): بحق السماء! اقطعها يا ألفريدوو!

يصرخ الأولاد في الصف الأمامي أيضاً، ولكن سلفاتوري يستمر في حماسه. يستدير وينظر إلى أعلى إلى حيث الكوّة في غرفة العرض، وكأنها قلعة حصينة. يراقب رقص الضوء المجنون في التيار المتلألئ المفتوح باتجاهه على شكل مخروط. وبالإضافة إلى ذلك، رأس الأسد ذاك، الغامض، بل الرهيب، والذي يؤكد السر المبهم للسينما. في عينيه الحالمتين يبدو ذلك الأسد الذي لا حياة فيه وقد استيقظ وأرسل زئيراً ضارياً.

ينظر سلفاتوري نظرة خائفة... فأسد آخر يزأر. ولكن على الشاشة. أسد متروجولدن ماير. تقلد جمهرة الأولاد بمجملها الزئير الشهير بصوت واحد وهم يهزّون رؤوسهم بانسجام تام.

الأولاد: جرررر! جرررر!

يبدأ الفيلم. إنه فيلم »فيسكونتي« (La terra trema)(2) سلفاتوري في غاية السعادة عيناه الواسعتان تنظران إلى أعلى نحو مربّع الضوء السحري. موسيقى العنوان. رجل عجوز آخر يدخل من خلف المسرح، لكن قبل أن يجلس، يقول مرحباً بصوت عالٍ.

الرجل العجوز الثاني: تحية للجميع فرد فرد!

الجمهور: سسسش! اللعنة! سكوت! هي، قبلة، نحن هنا انشاهد الفيلم.

الآن هنالك مشهد مهم. الجمهور صامت، يركز انتباهه على الشاشة. بوكيا يمّرر السيجارة المشتعلة إلى سلفاتوري. يتناول مجّة ويناولها للآخرين دون أن يبعد عينيه عن الشاشة.

تظهر نجمة الفيلم الجميلة على الشاشة. يستحوذ نوع آخر من الانتباه على الجمهور المتحمّس. يحدّق سلفاتوري والآخرون إليها بأفواه مفتوحة... تنحني نحو البطل الرئيسي وعلى وجهها تعبير مضنٍ حيث يتلامس جانبا وجهيهما. ولكن فجأة، وفي أفضل الأجزاء هنالك صدمة فجائية. القبلة غير مرئية.

الجمهور(مصاباً بخيبة أمل): آآآهّ ياللعار! إني أذهب إلى السينما منذ عشرين عاماً ومع ذلك فلم أشاهد قبلة!

سلفاتوري الوحيد الذي يضحك لنفسه. إنه يعرف ما الذي حدث.

الجمهور: ومتى سنشاهد واحدة؟

إلى أعلى، في الشرفة، الجمهور أكثر رصانة. البطاقات أغلى ثمناً والناس أكثر غنى ورقيّاً. بين هؤلاء رجل له شارب، يبدو كأنه كاتب عدل، يجلس مباشرة أمام الحاجز. وبجدية تامة، ودون أن يرفّ له جفن، يبصق إلى أسفل تعبيراً عن الإزدراء. في نفس اللحظة يسمع صوت تتبعه جوقة من الإحتجاجات.

الصوت والجمهور: يا حقير!! سسسش!!! سكوت!!

12- الساحة ومدخل سينما باراديزو- خارجي- ليلاً

يقرع جرس البرج إيذاناً بمنتصف الليل. الساحة تقريباً مهجورة ما عدا أحد ملاّك الأرض، يقف أمام منضدة المشروبات، له شارب وقبعة يدعى دون فينسينزو. ينتقي من بين مجموع العمال الرجال الذين سيحتاج إليهم عند الفجر. يختار، يشير بإصبعه، ويدعو....

الناس تخرج من دار العرض بعد الحفلة الأخيرة.

المرشد يقفل الباب الأمامي بينما ينزل ألفريدو من غرفة العرض. بين الجموع هنالك صبي واحد. إنه سلفاتوري. تعب ونصف نائم. لقد شاهد كل العروض. يبدأ في السير بعيداً عندما يلمح والدته تقف في الزاوية المقابلة، تلف نفسها بمعطف قديم. إنها تنتظره غاضبة.

يوجه سلفاتوري نظره إلى الأرض، منكسراً. إنه يعرف ما ينتظره. يذهب إليها خائفا، مضطرباً ويوجه لها نظرة تساؤل.

ماريا: لقد بحثت عنك طوال اليوم. هل اشتريت الحليب؟

سلفاتوري: كلا.....

ماريا: أين الفلوس إذن؟

سلفاتوري: سرقها أحدهم.

تصفعه ماريا. يحبس سلفاتوري نشيجه ولكن عينيه تمتلئان بالدموع. ألفريدو والمرشد يقفان قريباً ويسمعان كل شيء.

ماريا: ماذا فعلت بالفلوس؟ ذهبت إلى السينما؟

يهز سلفاتوري رأسه وتزداد تشنجاته. ترمي ماريا الوعاء يائسة وتصفعه مرة ثانية، ولكنها تبدو وكأنها لا تريد أن تفعل ذلك، كأنها في أعماقها تسامح هروب ابنها. يلتقط ألفريدو الموقف ويتكلم مدافعاً عن سلفاتوري.

ألفريدو: سيدة ماريا، لا تفعلي ذلك. إنه ليس إلا طفل.(مخاطبا سلفاتوري) وأنت لماذا تقول أكاذيب؟

(مخاطبا ماريا): لقد أدخلناه مجاناً. لا ريب أنه فقد الفلوس داخل صالة العرض....

(يحدق سلفاتوري به مذهولاً، ويتابع الإصغاء إليه.) كم كان معك؟

سيلفاتوري: خمسون ليرة.

(تمسح ماريا دموعه.)

ألفريدو (مخاطباً المرشد): ما الذي وجدته على الأرض بين المقاعد؟

(يدخل المرشد يديه في جيوبه، ويخرج أشياء غريبة عجيبة.)

المرشد: مشط،- كعب جزمة، علبة تبغ...

(يخرج ألفريدو بمهارة شديدة خمسين ليرة من جيبه، وكالساحر يأخذهما من يد المرشد.)

ألفريدو: ... وخمسون ليرة!

(مخاطباً ماريا) أرأيت؟

(يناولها الفلوس أمام نظرات المرشد المندهشة.)

ماريا: شكراً أيها العم ألفريدو. شكراً. مساء الخير.

تغادر بعيداً وهي تجّر سلفاتوري من يده. يغمزه ألفريدو، فيبتسم سلفاتوري ويرد له الغمزة بمثلها. ولكنه لا يتقنها. لا يتمكن من إقفال عين واحدة.

يغادر الجميع وتصبح الساحة خالية، بينما يأتي أبله البلدة نحو جموع العمال المتجمّعين بالقرب من دون فينسانزو الذي يدفعهم جميعاً للتحرك.

الأبله: إنه منتصف الليل. عليّ أن أغلق الساحةّ اذهبوا بعيداً. الساحة ملكي! الساحة ملكي!

13- طريق المقبرة وطريق البلدة- خارجي- نهاراً.

يسير سلفاتوري بثياب صبي المذبح مرافقاً الكاهن الذي يلبس ثياب الاحتفالات. إنهما متعبان فقد مشيا مسافة طويلة. خلفهما يتحرك حمارٌ يجّر عربة تحتوي على نعش أبيض صغير وباقة من الزهور. وراء ذلك جنازة صغيرة من الأبوين وأهل الطفل الميت. الطريق واسعة جداً، مغطاة بتربة بيضاء. شمس الربيع مبهرة للنظر. مسيرة الجنازة أطلقت غيمة من الغبار جعلت كل شيء مغشّيً ضبابياً مثل الحلم، يلتفّ حوله الأفق على خط البحر الأزرق. تتجه الجنازة الآن نحو الباب الواسع للمقبرة. ألفريدو الذي يعمل في الحقول، يرفع قبعته ويراقب التابوت وهو يمر أمامه.

قطع إلى:

تنتهي الجنازة. الكاهن وسلفاتوري عائدان إلى البلدة. يظهر ألفريدو خارج الحقول راكباً دراجة يحمل عليها مجرفة. وفي سلة الدراجة أدوات زراعية أخرى. يقترب منهم وهو يحرّك دولاب الدراجة بقدميه.

ألفريدو: صباح الخير يا أبتاه. من الصعب قطع المسافة على الأقدام، هوه؟

الكاهن (فاقداً أنفاسه) نعم!.. أثناء هبوط التلّ جميع القديسين يساعدونك. ولكن عند العودة يقف القديسون هناك يراقبونك. هذا كل شيء. لتكن مشيئة الله.

يفتح سلفاتوري فمه، يريد أن يقول شيئاً لألفريدو، ولكنه لا يملك الوقت. يدير ألفريدو العجلة بسرعة مبتعداً. يتهاوى سلفاتوري إلى أجزاء. ينظر نحو الكاهن ثم نحو الدراجة المنطلقة بعيداً. عيناه تلمعان بفكرة! يصرخ فجأة:

سلفاتوري: أوش! أوش! قدمي! لا أستطيع السير!

يعرج. يرمي نفسه إلى الأرض وكأنما لدغته أفعى. ينحني الكاهن لينجده. ومن بعيد يستدير ألفريدو لينظر.

قطع إلى:

ابتسامة على وجه سلفاتوري. أنه يركب على عامود دراجة ألفريدو. في طريق عودتهما إلى القرية.

سلفاتوري: ألفريدو، هل كنت تعرف والدي؟

ألفريدو: طبعاً كنت أعرف والدك. كان طويلاً، نحيلاً، بشوشاً، وكان له شارب مثل شاربي. دائم الابتسامة. كان يشبه كلارك جايبل.

هنالك شيء يريد سلفاتوري التكلم عنه، ولكنه لا يدري كيف يبدأ. يريد محاولة استراتيجية بريئة.

سلفاتوري: ألفريدو، الآن وقد أصبحت أكبر من ذي قبل، أنا لا أقول إنه بوسعي الحضور إلى غرفة العرض، إلى قاعة السينما... ولكن... ربما، لماذا لا نصبح أصدقاء؟

يعرف ألفريدو تماماً ماذا يريد هذا النذل الصغير، فيجيبه بنبرة غريبة، مسرحية، وكأنه يعيد شيئاً يعرفه عن ظهر قلب، تعليق أخذه من فيلم قديم.

ألفريدو: أختار أصدقائي من نظراتهم، وأعدائي من عقولهم...

(يضحك) أنت أذكى من أن تصبح صديقي. بالإضافة إلى ذلك وكما أقول دائماً لأولادي، كونوا حريصين في اختيار أصدقائكم!

سلفاتوري (مندهشاً) ولكن ليس لك أولاد!!!

ألفريدو (يدمدم) حسناً، حسناً! عندما يصبح لي أولاد هذا ما سوف أقوله لهم!

(أخيراً تصبح بيوت جياكاندو البعيدة على مرمى النظر.)

14- منزل سلفاتوري- خارجي- نهاراً.

ليا، شقيقة سلفاتوري الصغيرة تقف خارج الباب تبكي وقد أصابها الرعب. يلوث وجهها الدخان وفستانها الصغير وقد أكلته النار يقطر ماءً ماريا مهتاجة، مبللة بالعرق، تحاول إرضاءها فتأخذها بين ذراعيها.

ماريا: توقفي عن البكاء... لقد خمدت النيران.. أنا هنا هذا يكفي... هذا يكفي...

(يأتي ألفريدو وسلفاتوري من خلفهما. ما كاد سلفاتوري يقفز عن الدراجة حتى تسرع والدته إليه كالغضب صارخة) : أيها الولد البائس! أنت سبب خرابي! كادت شقيقتك أن تحرق حيّة لو لم أكن هناك! وكل هذا خطأك!

ينطلق سلفاتوري بعيداً، تلاحقه والدته، بسرعة الغزال. لم يفهم ألفريدو ما الذي حدث. ينحني فوق ليا، التي تتابع تكوير عيناها إلى الخارج. يرى على الأرض، وسط المياه، علبة مزينة بالأزهار وقد اسودت من التفحم، وما زال الدخان ينبعث منها، ومن حولها قطع الأفلام التي تحولت إلى رماد وبضع صور موقّعة، صور والد سلفاتوري.

تصل الرسالة الآن لألفريدو، ينظر إلى أعلى نحو ماريا، التي التقطت سلفاتوري وأخذت تجرّه نحو البيت وهي تضربه وتصفعه على امتداد الطريق. يغطي سلفاتوري رأسه بيديه ليبعد عنه الضربات. تستدير ماريا باتجاه ألفريدو، وتخاطبه بصوت قاس خالٍ من الاحترام.

ماريا: ولكن ألا تخجل من نفسك أيها العم ألفريدو، تلعب مع ولد صغير وأنت في هذا العمر؟!

ألفريدو (وقد جبن)..... ما علاقتي بهذا الموضوع؟...

ماريا: ومن الذي أعطاه كل هذه الأفلام؟ عدني أنك لن تعطيه بعد اليوم أياً من هذه الحثالة! لا تدع قدمه تطأ بعد اليوم السينما. الولد مجنون! مجنون! كل ما يتكلم عنه السينما وألفريدو، ألفريدو والسينما!!

يتحطم ألفريدو، فهو لا يعتقد أن جنون سلفاتوري وحبّه المرضي للسينما يصل إلى هذا الحد.

ألفريدو: أعدك، أيتها السيدة ماريا.

(ماريا تستدير الآن للمرة الأخيرة نحو ابنها.)

ماريا: أرجو من الله أن يحقّق لي أمنية واحدة! أن يعيد والدك إلى المنزل! ولسوف يرى ما الذي سيصيبك!

(يخفض سلفاتوري يديه، ينظر إليها بإخلاص الأولاد المخيف.)

سلفاتوري: لن يعود أبي... إنه قد مات.

(بريق مثلّج يجري في عيون ماريا.)

ماريا: هذا غير صحيح! كلا! هذا غير صحيح!!! سوف أريك أنه سيعود!

تضربه يائسة وكأنما بذلك تثبّت أملها العنيد، صفعة وراء صفعة. لا يتدخل ألفريدو هذه المرة، يترك ماريا تطلق العنان لثورة غضبها، ولكن صراخ سلفاتوري يشعره بالذنب.

15- الساحة وغرفة العرض- خارجي/ داخلي- نهاراً

أحدٌ آخر. مجموعة من الرجال تحلقّت في الساحة حول المقهى حيث يوجد مكبّرٌ للصوت. إنهم يستمعون إلى مباراة كرة القدم وهم ينظرون إلى بطاقات يانصيب سيسل بول الخاصة بهم. صوت نيكولو كاروزيو: إننا في الدقيقة السابعة من منتصف الشوط الثاني. تورين يتصدر الموقف واحد/صفر. لقد سجّل الهدف....... (يرى ألفريدو المشهد من أعلى حيث يسترق النظر خارج شباك غرفة العرض. يغرق صوت كاروزيو بسبب شريط صوت الفيلم الذي يعرض. ألفريدو يشعر بالملل. يذهب إلى آلة العرض وينظر عبر الكوّة... إنه المشهد الأخير من الفيلم. الموسيقى ترتفع إلى أعلى مداها حيث تظهر كلمة النهاية على الشاشة. بأسرع ما يمكن يطفئ ألفريدو الأضواء ويوقف آلة العرض. ينظر مرة ثانية في الكوّة، ليرى ...

16- سينما باراديزو- داخلي/ خارجي- نهاراً.

... المكان ممتلئ حتى السقف. أصوات وضحكات الأولاد. دخان، آيس كريم، مشروبات غازيّة. يفتح المرشد أبواب الطوارئ ليدخل منها الهواء. يصارع المندفعين عند الباب الذين يحاولون الدخول مجاناً. صوت المعلِّق الرياضي يملأ القاعة. حدّاد القرية نائم في مقعده، رأسه إلى الوراء وفمه مفتوح على مصراعيه. ينفخ الأولاد أكياس الآيس كريم الفارغة ويفجرونها بالقرب من أذنيه. بانغ! يستيقظ الحداد جافلاً، في بحر من الضحكات. يصرخ:

الحداد: آه! سوف ألوي رقابكم جميعاً!! وإلا فإن سمعتي الحسنة ستصبح في الحضيض!!! أيها الأولاد القذرين المزعجين!

سلفاتوري لا يضحك. إنه حزين. يستدير وينظر إلى أعلى نحو غرفة العرض. يرى ألفريدو عبر فم الأسد. ينظر ألفريدو إليه فيراه.؟ يرسل سلفاتوري له رجاءً ملوحاً بيده، وكأنما يطلب منه إذناً بالصعود للحظة من الزمن. النظرة على وجه ألفريدو واضحة لا يمكن تغييرها: كلا!

سلفاتوري لا يعجب. لم يعد من السهل كسب وده بعد الذي حدث. ولكن لابد

أن يكون هنالك طريقة ما. وما هي؟ كالعادة فإن سلفاتوري ذكي كالشيطان عندما ينطلق في طلب شيء ما. عبر باب الطوارئ يرى امرأة تمرُّ تحمل رزمة بيدها. إنها زوجة ألفريدو، والرزمة هي عشاؤه. يقفز سلفاتوري على قدميه ويركض باتجاهها.

سلفاتوري: السيدة آنا!

17- سينما باراديزو- غرفة العرض والساحة- داخلي/ خارجي- نهاراً

يدير ألفريدو آلة العرض. لقد جاء وقت الأفلام التسجيلية والصور المتحركة. يسترق سلفاتوري النظر من أعلى السلالم. إنه خائف من ردّه فعل ألفريدو ولكنه يستنفر شجاعته ويشير له بالرزمة. يراه ألفريدو، ويكاد أن يقفز عليه....

سلفاتوري (في حالة دفاع): زوجتك طلبت مني أن أحضر هذه إليك. تعبيرات وجهه خانت تلك التي رسمها عليه. تنهد ألفريدو، وأدرك أن هذه واحدة أخرى من ألاعيبه الصغيرة.

ألفريدو(بصرامة) اعطني إياها..

يتناول الرزمة، يفتحها ويرفع الغطاء، يقفلها ثانية ويضع الوعاء داخل ضوء آلة العرض ليبقى دافئا. لم يترك سلفاتوري حركة تفوته، ولكنه تكلم وعيناه على آلة العرض.

سلفاتوري: قلت لوالدتي أنك لست من أعطاني الأفلام. وأن الخطأ لم يكن خطأك. ولكنني ظننت أنك بقولك أن الفيلم قد يلتقط النار كنت تريد إخافتي. والآن وقد عرفت، لن أسرق بعد اليوم شيئاً منك.

هذا كل ما أردت قوله. أنا ذاهب.

(يستدير سلفاتوري مستعداً للمغادرة ولكن ألفريدو يمسكه بأكتافه ويوقفه.)

ألفريدو: توتو، تعال إلى هنا.

بعد أن فكر بالأمر ملياً ، إن ثمة شيئا ما في ذلك الولد الصغير، ربما تكون عاطفته المحمومة هي التي تؤثر فيه. سوف يكلمه بجدّية، دون اللجوء إلى العنف، ويحاول أن يقنعه. يخفض صوت جهاز التحكّم ويجلس على المقعد. يرفع سلفاتوري عينيه عن الأرض وينظر أخيراً نحوه..

ألفريدو: الآن استمع لما يجب أن أقول. لقد امتهنت هذه المهنة وأنا في العاشرة من عمري. في تلك الأيام لم تكن هنالك آلات حديثة بعد. كانت الأفلام صامتة، وكانت آلات العرض يدوية، هكذا، ولها ذراع لإدارتها، وكان عليك أن تقوم بإدارة ذلك الذراع طوال اليوم. كان العمل فعلاً قاسيا! إذا ما تعبت وأبطأت الحركة بووم! كل شيء إلي لهب!

سلفاتوري: إذاً لماذا لا تريد أن تعلمني إياها أيضاً؟ الآن حيث لم تعد هنالك حاجة لدوران الذراع، وقد أصبحت أسهل من ذي قبل؟

ألفريدو (يشدّه) : لأنني لا أريد ذلك، توتو! هذه ليست مهنة لك. إنها كمن يصبح عبداً. أنت دائما وحيدا. تشاهد الفيلم مرّة تلو الأخرى، لأنه ليس لديك ما تفعله غير ذلك.

وتبدأ في مخاطبة جريتا جاربو وتايرون باور وكأنك مجنون! تعمل في الإجازات، وفي أعياد الميلاد، والفصح. يوم العطلة الوحيد هو يوم الجمعة العظيمة. ولكن لو لم يصلب السيد المسيح،.لكنت تعمل يوم الجمعة العظيمة أيضاً.

سلفاتوري: إذاً لماذا لا تبدّل مهنتك؟

(يتنهد ألفريدو، مجروحاً. يقترب ليدير زرار عامود الكربون.

يحدّق في سلفاتوري وكأنه شاب يافع، إنسان يجعل الأمور صعبة عليه).

ألفريدو: لأنني أبله. كم إمرءٍ آخر في القرية بإمكانه أن يكون عامل عرض؟ لا أحد! فقط إنسان غبي مثلي يستطيع أن يفعل. بالإضافة إلى ذلك أنا لم أكن محظوظا. عندما كنت صبيا كانت الحرب! وعندما كبرت، حرب أخرى! الآن الموضوع مختلف . الأوقات تغيرّت . وتريد أنت أن تكون مغفلاً مثلي؟

هوه؟ أجبني!

سلفاتوري: كلا...

ألفريدو: حسنا تفعل... أنا أقول هذا فقط من أجل مصلحتك...

( ينهض ويتكلم طوال الوقت، يدخل إلى مرحاض الغرفة، وهو عبارة عن خزانة بها دلو. يدير ظهره ويبول.)

تُحبس هنا فتموت من الحرارة في الصيف والبرد في الشتاء.

تستنشق الدخان، ورائحة الغاز، ولا تكسب شيئا تقريبا..

(يستمع سلفاتوري إليه ولكنه يستغل فرصة انشغاله وعدم رؤيته له فيُدير زرار أعمدة الكربون، كما شاهدها تدار قبل لحظات..)

سلفاتوري ( بصوت عالٍ) ولكن ألا تحب أي شيء في العمل الذي تقوم به؟

(يحدّق سلفاتوري في الصور الموجودة على الحائط: كيتون، جاربو، سنووايت. يبتسم ألفريدو في سرّه. حتما، هنالك شيء حول هذه المهنة اللعينة يحبه).

ألفريدو: مع الوقت... تبدأ بالتعوّد عليها. بالإضافة إلى ذلك، عندما تسمع من أعلى أن الصالة امتلأت وأن الناس أخذوا يضحكون مسرورين... عندئذ تشعر أنت بالسعادة.

(يتوه ألفريدو بأفكاره، ولا يلاحظ أن الأفلام الوثائقية والصور المتحركة انتهت. الشاشة خالية. ونسمع في الصالة بدل الضحكات صفيراً وشتائم. تلمع عينا سلفاتوري،

وينتهز الفرصة. يضيء النور ويوقف آلة العرض، كما كان ألفريدو ليفعل بالضبط. وعندئذ يزرّر ألفريدو سرواله ويركض بسرعة لمواجهة الموقف، ولكن ليجد أن كل شيء هو كما يجب أن يكون. ينظر سلفاتوري إليه مبتسماً وكأنما يتوقع ميدالية لشجاعته. وبدلاً من ذلك فإن ردة فعل ألفريدو كانت ردة فعل حيوان متوحّش.)

إذن فقد أجهدت نفسي بلا طائل؟ تتظاهر بأنك موافق على ما اقول، ولكن بمجرد أن أدير ظهري، تفعل ما تريد!

(يركل سلفاتوري في مؤخرته، وهو يصرخ: )

اخرج من هنا: لا أريد ان تقع عيناي عليك ثانية! هذه هي القشة الأخيرة! والدتك على حق، أنت مجنون!!

( يدفعه نحو السلالم. فجأة يختفي سلفاتوري وقد فقد صوابه من الرعب. يتكلم ألفريدو مع نفسه غاضباً): ولكن كيف استطاع أن يفعل ذلك؟ الوغد الصغير! لقد تعلم بمجرد المراقبة! شيء غيرمعقول!

( يسترق النظر عبر النافذة، صارخاً، عندما يرى سلفاتوري يركض مجتازا الساحة.)

سوف أخبر شباك التذاكر ألا يسمح لك حتى بدخول السينما!

لم تعد هنالك تذاكر لك! وسأتكلم مع الأب أدولفيو حتى لا تعود مرة أخرى صبي مذبح!!! أيها القزم الصغير!

(ينظر سلفاتوري نحوه. يكرهه. يصرخ بعبارات نابية)

سلفاتوري: ألفريدو، مت بغيظك!!!

(ولكن كلماته تغرق في خضم الصراخ الفجائي للناس خارج المقهى.)

الجمهور: إصابة!! يا مريم المقدسة!!!

(رجل بين الجموع ينهار أرضاً. الآخرون يتجمهرون حوله فزعين. يرفعون رأسه عالياً. وجهه شاحب. ينظرون إلى ورقة اليانصيب التي يطبق عليها يده. يُسمع صوت يرتفع كصفارة الإنذار من بين الجموع.)

الرجل: شيشيو سيكافيكو قد فاز بـ سيسال!!!!

(الصراخ مسموع بحدّة...)

18- سينما باراديزو - داخلي- نهاراً.

... داخل صالة السينما. الحضور يتهامسون لكي يفتح أحد باب الطوارئ...

صوت المشاهدين: لقد فاز النابو ليتانيون باليانصيب !!!

لنذهب ونرى، يا أولاد!!! الشماليون دائما محظوظون!

(الجمهور برمته يقفز إلى أعلى ويتجه نحو المَخْرجْ. يتدافع ويصرخ. يضحك ويهرّج).

19- الساحة والقرية- خارجي- صباحاً.

جاء الصيف. للقرية وجه آخر. يرتفع صوت البائعين المتجولين بأنغامهم الرتيبة في شوارع القرية. في أحد الشوارع تنهمك النساء في تعليب الطماطم. في إحدى زوايا الساحة انتهى الحلاق من قص شعر حمار وهو الآن يحلق شعر صف من الاولاد الفقراء العاريي الصدور، لا تغطي أجسادهم سوى ملابسهم الداخلية. ثم يأتي رجل آخر ليقوم بتعقيمهم فيرشهّم بالماء بواسطة الرشاشة التي تبلل بها الاشجار في الريف. الأولاد يضحكون. على لوحة الصور نرى الفيلم الجديد الذي يعرض اليوم في سينما باراديزو.

20- قاعة الطعام في المدرسة الابتدائية-داخلي- صباحاً.

امتحانات الصف الخامس الإبتدائي. في قاعة الطعام الواسعة يجلس جميع الأولاد، كل واحد امام مائدة صغيرة. سلفاتوري ، بوتشيا، ببينو ، وماسينو، وكولا، أخذوا أماكنهم هنا وهناك يسودهم التوتر الذي يلف جميع التلاميذ. عضو مجلس الامتحانات يملي مسائل الحساب.

عضو مجلس الامتحانات: تاجر يملك مخزنين. في الأول يبيع الفاكهة والخضروات. في الثاني يبيع المسامير والأسمنت..

(يأتي المدير ويقاطع الإملاء)

المدير : عفواً.. أيها الأستاذ. هاهم الرجال الذين يمتحنون لشهادة المدرسة الابتدائية.

(يستدير نحو الباب)

ادخلوا من فضلكم..

(يستدير الأولاد جميعا لينظروا. يدخل رجل في الثلاثين مسترخيا بشكل مَرَضي. تَعرّف إليه الأولاد وأخذوا يضحكون ضحكات خبيثة.

والثاني هو الحداد ، ذلك الذي ينام أثناء عرض الفيلم. والثالث ولد في العشرين من العمر يدعى أنجلو . والرابع هو ألفريدو، خجول، محمرّ الوجه. سلفاتوري يفقد القدرة على النطق. يضحك ضحكة تهكمية.

في عينيه الصغيرتين هنالك نظرة انتقام.)

قطع إلى:

يبدأ الآن الامتحان. صمت مميت يخيّم على القاعة. المعلمون والمدير يتحركون حول المكان محاولين التأكد من عدم تبادل ملاحظات أو أي نوع من أنواع المساعدات. الأربعة الخارجيون يمرّون بأوقات عصيبة. تمكن رؤية ذلك على وجوههم. ألفريدو أيضا يمر بصعوبات، فهو لا يعرف كيف يحل المسألة، والحساب صعب جداً. ينظر إلى المقعد المجاور حيث يجلس سلفاتوري .

كان سلفاتوري على وشك النظر إليه، ولكن ألفريدو ينظر فوراً بعيدا وهو المتكبرّ الذي لا يسمح لأحد أن يراه في هذه الحال. يستمر تبادل النظرات، بشكل غريب ومضحك. في هذه الأثناء، يكتب سلفاتوري الأعداد والعمليات بسرعة .

لم يعد ألفريدو يحتمل الموقف فيصبح عصبيا تغشاه حبيبات العرق، وقد ندم على حضوره. يضحك سلفاتوري في كمه، فلقد أصبحت له الآن اليد العليا. يحاول ألفريدو استراق النظر من دفتر التمارين علّه يستطيع أن ينقل منه شيئا. ولكن سلفاتوري يدير ظهره، ويخفيه عن عينيه. يحاول ألفريدو استراق النظر من دفتر تلميذ آخر ولكن الصبي اللعين يغطّيه أيضاً. تبدو وكأنها مؤامرة ضدّه. لم يعد لألفريدو أي مخرج. عليه أن يتقبل فكرة أكل كعكة متو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khatab38.forumslog.com
 
سيناريو: سينما باراديزو CINEMA PARADISO By Giuseppe Tornatore
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الوادي  :: عالمي :: أحلام-
انتقل الى: